لا أحد قادر على إعمار سوريا سوى أصحاب البيوت المدمرة، أنفسهم، إذا عادوا إلى بيوتهم، أو ما تبقى منها، وكانوا يملكون ما يفيض عن ثمن طعامهم. الدولة السورية، نفسها، وأياً كان شكلها المقبل، غير قادرة على ذلك حتى لو أرادت. المجتمع الدولي غير راغب في ذلك. أما “الأصدقاء” الذين ساهموا بنصيبهم في تدمير البلاد، فقد يأتون كمستثمرين وبشروطهم فقط.

التدمير العبثي طاول البيوت والآثار، والبنية التحتية، وكان هدفه منذ البدايات أكبر من مجرد القضاء على “العصابات المسلحة”، وأكبر حتى من تقديم الأرض هدية لداعمي الجهد العسكري للنظام الأسدي، بمنحهم عقود إعادة الإعمار. لأن مؤتمرات المانحين كانت دائماً حبراً على ورق، بداية من أفغانستان، مروراً بالعراق، وقبل ذلك في لبنان.

ولأن العملية تحتاج إلى مئات مليارات الدولارات، ولأن ما يسمى “مؤسسات الدولة السورية” لا تمتلك من هذه الأموال سنتاً واحداً، فإن العبء سيقع على عاتق كل صاحب منزل في ما يتعلق بإعادة بناء بيته. أما البنية التحتية، من طرق، وجسور، وماء، وكهرباء، وشبكات هاتف، واتصالات، فيمكن تخيل إعادة لسيناريو شركات الكهرباء الكبرى في العالم في ثمانينيات القرن الماضي، عندما ساعدت نظام حافظ الأسد في إيصال الكهرباء والماء إلى القرى والمدن كي توسع دائرة مستهلكي غسالاتها وبراداتها، وأجهزتها الكهربائية، أو مكونات هذه. قد يحصل ذلك، خاصة أن مثل هذا التمويل مضمون الربحية السريعة في بلد فقد معظم قدرته على صناعة السلع الكهربائية المعمرة.

هنا، قد لا نجد روسيا في طريقنا، بل الصين الناهضة صناعياً في هذا المجال، ما قد يرشح قيام منافسة شديدة على السوق السورية الجائعة لكل شيء. صحيح أن الصين غير مساهمة كثيراً في سوق السلاح في سوريا، لكنها وفرت مع روسيا غطاء ديبلوماسياً مهماً لشراء الوقت مكَّن النظام الأسدي من جر البلاد إلى حرب طويلة مالت فيها الكفة ولغة القتل لمصلحة النظام الذي كان على وشك السقوط أكثر من مرة في السنوات الثلاث الأولى بعد عام 2011.

وعلى الرغم من توافر القرائن على وجود مخطط منهجي معتمد من قبل النظام الأسدي وحليفه الإيراني للتهجير، وإعادة توطين عناصر شيعية في أحزمة العاصمة دمشق خاصة، يبقى الترجيح العملي لهدف التدمير الممنهج لحواضن المعارضة المسلحة في الغوطتين، والزبداني، هو ما يندرج تحت بند، أو بنود، إعادة الإعمار. والنظام قادر، إن صح ذلك، بدعم إيراني مباشر، على تنفيذ ذلك في دمشق، خاصة في الأنحاء التي تلي منطقة “السيدة زينب”، بالقرب من مطار دمشق الدولي، أي في مخيم اليرموك، والحجر الأسود، ومدن وقرى الغوطة الشرقية، الواقعة شرق وجنوب دمشق.

والقرائن هنا تتصل بالأدلة، ومنها القانون رقم 10 لعام 2018، الذي أصدره رأس النظام في مارس (آذار) الماضي حول إعادة تعيين الملكيات العقارية، ووجوب تقديم كل مالك لبيت، أو أرض، ما يثبت ملكيته في مدة لا تتجاوز 45 يوماً، واستحالة ذلك في ظل ظروف النزوح واللجوء، ووجود قوائم مطلوبين مليونية تضم أكثر من 1.5 مليون سوري وفلسطيني مطلوبين من قبل 17 فرع أمن لا تزال أطيافها تثقل على حياة كل السوريين حتى والدولة كلها تنهار لصالح دولة الظل التي لم تعجز عن تمويل استمرارها بقوة عطالة الفساد الخبيرة فيها أكثر حتى من القمع المباشر.

أمَّا أن نهاية الحرب هي السلام، وأن الحرب لا يمكن أن تستمر إلى الأبد، فتلك مقولة صحيحة، لكن الحرب لا تؤشر حالياً إلى نهاية قريبة، ليس لأن بوادر حرب إسرائيلية إيرانية على الأرض السورية تلوح في الأفق، وليس لأن مفاعيل احتمال انسحاب أمريكا ترامب من الاتفاق النووي مع إيران مرشحة لأن تكون حقيقة، بل لأن النظام ما زال غير مطمئن إلى قدرة أجهزته الأمنية على إعادة كل سوريي الداخل إلى حظيرة ما قبل 2011، وغير مطمئن إلى أن الناس ستتعظ مما حدث في السنوات السبع الدموية وتنسى آلامها وأفكارها الانتقامية.

في مخيم اليرموك الذي ليس مجرد مخيم فلسطيني في سوريا العشوائية، انحاز الفلسطينيون إلى جنسية الأمر الواقع “فلسطيني سوري”، حيث لا وجود لما يماثل هذا الاصطلاح في كل أراضي ودول الشتات الفلسطيني، حتى في فلسطين التي عادت إليها منظمة التحرير الفلسطينية بعد اتفاق أوسلو.

فالفلسطيني في كل مكان هو فلسطيني يحلم بـ”حق العودة”، بما في ذلك مخيم اليرموك، وفرعه “مخيم فلسطين”. أما هذا الاصطلاح، بتراتبية جزءيه، فيدل على عدم التعارض بين حق العودة الفردي، وحق الإقامة في أرض زرع فيها الفلسطينيون جذورهم وقبورهم.

الآن، لا تدل التقديرات إلى وجود أكثر من ألفي ساكن في المخيم الأيقونة، ويقيناً أن كل هؤلاء فلسطينيون فضلوا حراسة قبور أهلهم على تجربة أي شتات جديد.

والمخيم الذي كان بيتاً لأكثر من 400 ألف فلسطيني وسوري أصبح معظمهم لاجئاً، مرشح في الإشاعات ليكون أرضاً فضاء، وموقفاً للسيارات، ومنطقة مفترضة ليس لتوسيع رئة دمشق الشرقية، بل عقاراً ضامناً لما يمكن أن يكون نوعاً جديداً من الاستيطان يحقق رغبة حرفية أطلقها أرييل شارون عام 1982 بعد مذبحة صبرا وشاتيلا، حين توعد مخيم اليرموك بالفناء.