مسارات الوجود العسكري التركي في سوريا بعد عفرين

أثار إعلان تركيا السيطرة على مدينة عفرين السورية، في 18 مارس الجاري، في إطار عملية “غصن الزيتون” التي قامت بشنها بهدف إخراج مقاتلي “وحدات حماية الشعب الكردية” منها، وتأمين حدودها لعمق يصل إلى 30 كيلو متر داخل سوريا، تساؤلات عديدة حول المسارات المحتملة للوجود العسكري التركي داخل سوريا خلال المرحلة القادمة، خاصة مع ظهور مؤشرات مختلفة ترجح استمرار العمليات العسكرية التركية وانتقالها إلى مناطق أخرى، ربما تتجاوز الحدود السورية، بالتوازي مع استمرار المباحثات بين تركيا والولايات المتحدة الأمريكية لحسم الوضع في منبج التي تسعى أنقرة إلى إخراج المقاتلين الأكراد منها، لكنها لم تتوصل بعد إلى اتفاق كامل مع واشنطن في هذا السياق.

تداعيات محتملة:

ما زالت تركيا مصرة على مواصلة عملياتها العسكرية داخل سوريا، رغم الانتقادات القوية التي تتعرض لها من جانب بعض القوى الإقليمية والدولية المعنية بالأزمة السورية، حيث بدا جليًا، على سبيل المثال، أن تلك العمليات سوف تساهم في توسيع نطاق الخلافات مع الدول الأوروبية، وفي مقدمتها ألمانيا، وهو ما انعكس في الانتقادات القوية التي وجهتها المستشارة انجيلا ميركل لأنقرة في كلمتها أمام البرلمان، في 21 مارس الحالي، وقالت فيها أن “تدخلها في عفرين غير مقبول، حيث يضطهد الآلاف ويموتون أو يجبرون على الفرار”. ويبدو أن استمرار العمليات العسكرية التركية داخل سوريا وربما انتقالها إلى دول أخرى، مثل العراق، سوف يفرض تداعيات عديدة يتمثل أبرزها في:

1- تصاعد نمط الحرب غير المتماثلة: خاصة بعد أن وجهت القوات الكردية رسائل عديدة بأن سيطرة القوات التركية والميليشيات الموالية لها على عفرين أدخل الصراع بين الطرفين مرحلة جديدة، سوف تدفعها إلى تبني استراتيجية جديدة للتعامل مع الترتيبات الأمنية والإدارية التي قد تتم صياغتها خلال الفترة القادمة، تعتمد في الأساس على أسلوب الكر والفر، بهدف تكبيد القوات التركية أكبر قدر من الخسائر ورفع تكلفة إصرارها على التمدد داخل الأراضي السورية والانتقال من عفرين إلى مناطق أخرى.

2- تعزيز فرص الوصول إلى تفاهمات بين الأكراد والنظام: وهو بدت مؤشراته جلية في التوافق الذي توصل إليه الطرفان، في فبراير 2018، وقضى بدخول مقاتلين من الميليشيات الحليفة للنظام إلى عفرين لمساعدة الأكراد في المواجهات المسلحة مع القوات التركية والميليشيات الموالية لها. وقد دفع ذلك تركيا إلى توجيه تحذير للنظام بأن أى محاولة لدعم الأكراد لن تدفعها سوى إلى مواصلة عملياتها وتوسيع نطاقها إلى مناطق أخرى على غرار منبج وشرق نهر الفرات.

وقد اندلعت بالفعل اشتباكات أخيرة بين القوات المنخرطة في عملية “غصن الزيتون” والميليشيات الحليفة للنظام، في 21 مارس الجاري، في المناطق التي تقع على محاور التماس بين الجانبين، لا سيما بين عفرين ومدينتى نبل والزهراء اللتين تسيطر عليهما القوات النظامية.

لكن ذلك لا ينفي أن التوافق الذي يمكن أن يكون النظام والأكراد قد توصلوا إليه سوف يكون مؤقتًا، لا سيما أن ثمة متغيرات عديدة تضع حدودًا له لا يمكن تجاوزها بسهولة، يتعلق أبرزها بحرص الأكراد على عدم خسارة الدعم الأمريكي المستمر لهم، فضلاً عن استمرار اندلاع اشتباكات مسلحة بين النظام والأكراد في بعض الأحيان.

3- تفاقم التوتر مع العراق: رغم أن تركيا تعمدت الإشارة إلى إمكانية شن عملية عسكرية مشتركة مع القوات العراقية لإخراج مقاتلي “حزب العمال الكردستاني” من سنجار، إلا أن ذلك لم يمنع اتجاهات عديدة من ترجيح تصاعد التوتر بين الطرفين، خاصة بعد أن اتجهت أنقرة إلى اتباع السياسة نفسها التي تبنتها في سوريا من خلال توجيه تهديدات لبغداد بإمكانية القيام بتنفيذ العملية بشكل فردي في حالة عدم تعاون الأخيرة معها، على نحو دفع بغداد إلى رفض هذا التوجه التركي، معتبرة أن الحرب ضد تنظيم “داعش” التي منحت أنقرة الفرصة في السابق للتدخل عسكريًا انتهت، وأن ثمة معطيات جديدة لا يمكن معها الاستناد إلى الآليات السابقة.

مسارات مختلفة:

لا تبدو الرؤية التركية واضحة فيما يتعلق بترتيبات ما بعد السيطرة على عفرين، خاصة في ظل تباين وتضارب تصريحات المسئولين الأتراك في بعض الأحيان، وهو ما يطرح ثلاثة مسارات محتملة للعملية العسكرية التي تقوم تركيا بشنها داخل سوريا في الفترة الحالية: يتمثل المسار الأول، في استمرار الوجود العسكري التركي داخل عفرين، رغم نفى بعض المسئولين الأتراك لذلك، حيث قد تستند أنقرة إلى حرصها على ضمان عدم عودة الأكراد إلى المدينة كمبرر لتكريس انتشارها العسكري فيها.

وينصرف المسار الثاني، إلى التمركز داخل المدينة بشكل مؤقت، مع مواصلة العمليات العسكرية في المناطق الأخرى التي يتواجد فيها المقاتلون الأكراد، على طول الحدود مع سوريا وصولاً إلى العراق.

وقد ألمح وزير الخارجية مولود شاويش أوغلو إلى هذا التوجه، في 22 مارس الجاري، عندما قال أن “أنقرة سوف تقوم بطرد وحدات حماية الشعب الكردية من منطقة الحدود مع سوريا ما لم تتوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة الأمريكية بشأن خطة لإخراج مقاتليها من منطقة منبج”، وهو ما يبدو أنه سيكون محورًا لمباحثات بين أنقرة وواشنطن خلال الفترة القادمة، خاصة في ظل الاهتمام الذي تبديه الأخيرة لتلك المنطقة، ليس فقط بسبب علاقاتها القوية مع القوات الكردية، وإنما أيضًا بسبب وجودها العسكري داخلها.

فيما يتعلق المسار الثالث، بتشكيل إدارة داخلية لعفرين مكونة من الميليشيات الموالية لأنقرة، وذلك لاستيعاب الضغوط التي تتعرض لها أنقرة بسبب العملية العسكرية التي قامت بشنها، والتي قد تعيد خلط الأوراق وإرباك الحسابات مع القوى المنخرطة في الصراع، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وإيران.

وفي النهاية، يمكن القول إن التدخل العسكري التركي سوف يزيد من تعقيد الوضع في شمال سوريا، وسيؤدي إلى إعادة صياغة أنماط التفاعلات بين القوى المحلية والإقليمية والدولية المعنية بأزمتها، استعدادًا للاستحقاقات السياسية والعسكرية القادمة.

 

مركز المستقبل للدراسات

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.