عن شعبوية أردوغان وكوربين . .

نشر موقع «سبكتاتور» البريطاني تقريرًا كتبته «هانا لوسيندا سميث» تذكر فيه إلى أي مدى تتشابه سياسة جيرمي كوربين، زعيم حزب العمال البريطاني، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وإن اختلفا، وتطرح تساؤلات حول تكتيكات كل منهما والتي تبين مدى الفجوة بين ما يتشدقون به بالكلام وبين تحركاتهم الفعلية.

شعبوية أردوغان

وجدت الكاتبة أن مجرد الإيحاء بأن أسلوب كوربين يشبه أسلوب أردوغان قد يتسبب في عواء كثيرٍ من مؤيديه، لكنهم من ناحية أخرى سيحسنون صنعًا في التعامل مع أوجه التشابه بينهما، تمامًا مثلما يفعل رجل تركيا القوي الشبيه بزعيم حزب العمال البريطاني، والذي يبذل جهدًا مضنيًا في سبيل تلميع صورته باعتباره سياسيًا شعبويًا حليف الأقليات، فهو الذي بعث مؤخرًا، برسالة عيد الفصح المعتادة إلى الجالية اليهودية في تركيا، قائلاً إنه يعتبرهم «جزءًا لا يتجزأ من البلاد»، وفعل نفس الأمر مع مسيحيي تركيا أثناء احتفالهم بعيد الفصح بعدها، مضيفًا أن «تنوعنا هو كنزنا».

إلا أنه في اليوم التالي يقف أمام حشد من مؤيديه، يصيح بأن «إسرائيل دولة إرهابية»، تقول الكاتبة إن تلك لم تكن المرة الأولى التي يصيح فيها مرددًا هذا الوصف، فعلى سبيل المثال، في عام 2009،عندما خرج أردوغان من إحدى ندوات مؤتمر دافوس، أثناء نقاش يدور حول غزة، لا سيما بعد خلافه مع الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز، واتهامه للأخير بقتل الأطفال الفلسطينيين.

استقبلته الجماهير المنتشية لدى عودته إلى إسطنبول حاملين لافتات، تعلن صراحة «نحن فخورون بك»، ترى الكاتبة إن أردوغان لم يستغرق وقتًا طويلاً في تحويل ثورته على بيريز في سويسرا إلى مصلحته السياسية الداخلية، علمًا بأن الجزء الأكبر من قاعدته الجماهيرية هم من المسلمين المتدينين، الذين لم يشعروا مطلقًا بالارتياح تجاه علاقة تركيا التقليدية الوثيقة مع إسرائيل.

بيد أن هناك ثمنًا لمثل هذا الخطاب تتحمله الجالية اليهودية في تركيا، تقول الكاتبة إن أعداد اليهود في تركيا، مثلها مثل أعدادهم في بريطانيا، صغيرة إلى حد ما، إذ يقدر عددهم بـ 15 ألف يهودي في تركيا، يعيش معظمهم في إسطنبول، وتعود أصولهم إلى القرن الخامس عشر، عندما قدم السلطان العثماني «بايزيد الثاني» ملاذًا لليهود الذين تم طردهم من إسبانيا خلال محاكم التفتيش، ولطالما كان اليهود الذين يعيشون في تركيا، والذين يطلق عليهم اليهود السفارديم، جزءًا أصيلًا من نسيج السكان في مدينة إسطنبول، وفي كل مرة يتصاعد فيها صخب وثورة أردوغان ضد إسرائيل، تتعرض معابدهم للهجوم ويتزايد عدد التهديدات بالقتل التي تتدفق إليهم عبر صناديق الرسائل الخاصة بمنظماتهم، وبالتالي تزداد معدلات تفكيرهم في ترك البلاد، لدرجة اضطرار الكثير منهم لقبول عروض المواطنة التي عرضتها حكومتي البرتغال وإسبانيا في عام 2015.

كوربين.. المناضل من أجل السلام

اما كوربين فمثله مثل أردوغان، جذوره شعبوية، ويخبر شعبه ومؤيديه بما تطرب له آذانهم، وذلك عوضًا عن قيادة وتزعم جبهة من الاتساق الأخلاقي، ففي دائرته الانتخابية في شمال لندن، يوجد العديد من السكان الأكراد، ما يعني أنه يقدم دعمه للجماعات المرتبطة بحزب العمال الكردستاني، وهو مدرج تحت قائمة المنظمات الإرهابية على خلفية شنه تمردًا دمويًا في شرق تركيا، ما أسفر عن مقتل 66 مدنيًا، إثر تفجير سيارة في أنقرة عام 2016.

وفي السياق الأوسع لنشاط حزب العمال، يفسر ذلك على أنه استرضاء للمشاعر المعادية لإسرائيل الموجودة في اليسار المتطرف من خلال طرح المبادرات على حماس وحزب الله، الجماعتين الإسلاميتين المسلحتين اللتين تتسببان في الكثير من الألم للمسلمين على نفس غرار ما تفعله إسرائيل بهم، بحسب الكاتبة. وفي نفس الوقت، يسكِّن كوربين حنق المؤيدين، الذين يعتقدون أن الإمبريالية الأمريكية تكمن في صميم شرور العالم، من خلال توجيه أروع انتقادات ممكنة لإيران وروسيا، في حين تتسبب طموحات الأخريين الإمبريالية في تمزيق الشرق الأوسط.

يود أنصار كوربين لو ينسى العالم ظهوره في مقابلة مدفوعة الأجر على قناة «بريس تي في» المتحدثة باسم الدولة الإيرانية، وصاحبة البث الأكثر خبثًا -بحسب الكاتبة- في الترويج لنظريات المؤامرة والعنف مع المثلية الجنسية ومعاداة السامية، لكن أنى لليهود البريطانيين –أو أي شخص يعارض التعصب الأعمى في سياساتنا- التغاضي عن أفعاله تلك؟

تؤكد الكاتبة أنه من الممكن انتقاد السياسة الغربية دون التودد للأنظمة الوحشية، ومن الممكن اتخاذ موقف ضد سياسات إسرائيل دون تكوين صداقات مع الجماعات الإرهابية، لكن كوربين يختار باستمرار الطريق الأسهل والشعبوي، ما يفتح الباب على مصراعيه أمام فراغ أخلاقي في صميم سياسته، وبالمثل أردوغان، الذي وجد في مواصلة التشدق بالكلام دفاعًا عن المجتمع اليهودي ثمنًا بخسًا يمكن أن يقدمه، إذ قد يصعق مؤيديه إذا ما اتهموا بمعاداة السامية.

إلا أن المفارقة الساخرة لدى كل منهما -تقول الكاتبة- تكمن في مدى صغر حجم وضعف المجتمعات اليهودية في البلدين، فضلًا عن أنها ليست ذات أهمية من حيث قوة أصواتهم الانتخابية في الدفاع عن أنفسهم بشكل حقيقي ملموس، لذلك سيستمر أردوغان في نبذ معاداة السامية وسط قاعدة مؤيديه بينما يسحق ويحجم الحاخامات، ولنفس السبب أيضًا، يبدي كوربين تضامنه مع صاحب جدارية معاداة للسامية، بينما يدعي في نفس الوقت أنه مناضل من أجل السلام.

وتختتم الكاتبة التقرير مؤكدةً على أن في نهاية المطاف ينحصر الأمر في الخوف والاستقطاب والسياسات التي تحركها الشخصيات، وتضيف أن كلًا من أردوغان وكوربين يدرك تمامًا أن جمع قاعدة مؤيدين استنادًا إلى فكرة «نحن، وهُم»، هو تكتيك يؤدي حتمًا إلى الاستنكار والكراهية، وفي نهاية المطاف يؤدي إلى نزع صفة الإنسانية عن الآخر، وتضيف الكاتبة: قد يبدو كوربين في الظاهر أنه سياسي أكثر رحمة ومروءة من أردوغان، لكن الرعاع مثيرو القلاقل متشابهون وإن اختلفوا، سواء مرتدين بزات عسكرية ونظارات سوداء، أو سراويل قصيرة غير رسمية وقبعات.

ساسة بوست

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.