«إم كي ألترا».. بهذا المشروع حاولت «سي آي إيه» السيطرة على العقول!

 تعد وكالة المخابرات المركزية «سي آي إيه»، مركزًا لمنظِّري المؤامرة، وربما تحمل شرفًا مشكوكًا في استحقاقه، كونها مصدرَ معظم نظريات المؤامرة التي تحققت في نهاية المطاف، وفي حين أن بعض نظريات المؤامرة التي تدور حول «سي آي إيه» ليست سوى تخمينات غير قائمة على دليل، إلا أن القليل منها حقيقي تمامًا وموثّق جيدًا، من ضمنها مشروع ذو مزايا علمية ضئيلة، ومخاوف أخلاقية معتبرة يدعى مشروع «MKUltra– إم كي ألترا».

بهذه المقدمة يستهل تقرير نشر على موقع «بيج ثينك»، حديثه عن برنامج «سي آي إيه» للسيطرة على العقول، ويستعرض لنا في السطور التالية أحد مشروعات هذا البرنامج الذي عرف باسم «MKUltra»، فيعرّفنا بهذا المشروع، وينقل إلينا جانبًا مما جرى فيه، ويشرح لنا الدوافع والأغراض وراء قيامه، ومن هي الجهات التي تورطت بالمشاركة فيه.

في الخمسينيات والستينيات اختبرت «سي آي إيه» عقار «LSD» على مواطنين أمريكيين

مشروع «إم كي ألترا» هو الاسم الرمزي لسلسلة من الأبحاث حول المواد والتقنيات والإجراءات الطبية المتعلقة بإخضاع العقول، كان الهدف من المشروع هو تطوير أمصال الحقيقة، وعقاقير السيطرة على العقول، وتحديد المواد الكيميائية والطرق التي يمكن الاستعانة بها في حالات التعذيب، والإرباك، والتجسس، بدأت هذه التجارب عام 1953، وتم تقليص مجالها ببطء خلال العشرين عامًا التالية، قبل أن يتم إيقافها عام 1973.

ما الذي قامت به «سي آي إيه»؟

يذكر التقرير أن مجموعة متنوعة من التجارب قد أجريت على الأفراد الآمنين الذين خضعوا للدراسة بهدف فهم آثار العقاقير القوية، وعادةً ما كانت تتم هذه التجارب بالتعاون مع المستشفيات والجامعات التي ادعت في ما بعد أنها لم تكن على علمٍ بالهدف من تلك التجارب، وقد شارك ما لا يقل عن 86 من الجامعات والمعاهد في توفير مواد الاختبار، وإدارة التجارب.

وينقل لنا التقرير نموذجًا لإحدى هذه التجارب التي حملت اسمًا يلائمها بامتياز، فقد عرفت بعملية «ذروة منتصف الليل»، ففي هذه التجربة استُعين ببائعات الهوى المدرجات في سجلات «سي آي إيه»، اللاتي قمن باستدراج زبائنهن إلى مخابئ حيث قمن بإعطائهم عقار «LSD»، بينما يقوم عملاء المخابرات بملاحظة وتسجيل تأثير العقار في الضحايا غير المدركين من خلال زجاجٍ يسمح بالرؤية من جهة واحدة.

كما اعتاد عملاء «سي آي إيه» على تخدير بعضهم البعض في أوقات العمل، وفي عطلات نهاية الأسبوع إلى الحد الذي تحولت فيه مناورات «LSD» العشوائية لمعرفة تأثير العقار في الأفراد غير المدركين، إلى مخاطرة في مكان العمل، وقد تسبب ذلك في حالة وفاة واحدة على الأقل عندما طور أحد الأفراد سلوكيات ذهانية حادة بعد إعطائه العقار، وعلى الرغم من ترجيح اعتبار الموت حادثة أو انتحارًا، إلا أن احتمالية كونه جريمة قتلٍ مطروح كذلك.

ويشير التقرير إلى إجراء تجارب أخرى تم فيها حرمان الأفراد من حواسهم، وتنويمهم مغناطيسيًّا، وتعريضهم للإيذاء النفسي، وإعطاؤهم موادًا ذات أثر نفسي، كالإكستاسي المعروف طبيًّا باسم «MDMA»، ونبات السلفيا، وفطر السيلوسيبين، ومزيجٍ من الباربيتورات والأمفيتامين، وذلك لتهدئتهم قبل إعطائهم دفعة كبيرة من مخدرٍ؛ أملًا في انتزاع أسرارهم.

على من أجريت هذه التجارب؟

خضع لهذه التجارب، المتطوعون من الطلاب، والمرضى في المستشفيات العقلية، والمساجين سواءً تطوعوا لذلك أم لا، كما خضع لها مدمنو المخدرات لقاء مزيدٍ من المخدرات، وأُجريت كذلك على أشخاصٍ عشوائيين، بالإضافة إلى عملاء «سي آي إيه» الذين لم يحالفهم الحظ، كما ذكر التقرير.

وكان الكاتب «كين كيسي» من الذين تطوعوا للتجارب عندما كان طالبًا في جامعة «ستانفورد»، وقد عمل لاحقًا على هذه التجارب في كتابه «One Flew Over the Cuckoo’s Nest– أحدهم طار فوق عش الوقواق»، كما كان منجذبًا بشدة لاستخدام مخدر «LSD»، الذي استضاف حفلات لتناوله في منزله عرفت بـ«Acid Tests– اختبارات الحمض»، كما أدخله إلى الثقافة المضادة.

صورة للكاتب الأمريكي كين كيسي

ويُظن أيضًا أن «تيد كازينسكي»، المعروف باسم «Unabomber»، كان جزءًا من مشروع «إم كي ألترا» عندما شارك فيسلسلة من التجارب في جامعة هارفارد، والتي تعرض فيها للإساءة اللفظية، والاستخفاف بمعتقداته الشخصية، ونكرر هنا أن هذا ظن على الأرجح، بالرغم من إشارة مصادر عديدة إلى احتمال ذلك.

هل نجح أي شيء من ذلك؟

نجحت بعض هذه التجارب، لكن معظمها باء بالفشل كما يصف التقرير، فبينما استطاعت بعض العقاقير جعل الأفراد الخاضعين للاختبارات أكثر قابلية للإقناع أو الإذعان، إلا أن أمصال الحقيقة، ووسائل التعذيب الفعالة التي أرادتها وكالة المخابرات المركزية لم تكن ضمن تلك العقاقير، يضاف إلى ذلك أنه مع تعقيد الأمر كان البحث غير علميٍّ للغاية في بعض الأحيان، وكان قدر كبير من البيانات محدود الاستخدام.

ويذكر التقرير أنه في أحيانٍ كثيرة أتت التجارب بنتائج عكسية من نواحٍ عدة، فقد أتاحت للثقافة المضادة الوصول إلى مخدر «LSD» لتأخذه معها إلى الطريق المعاكس، وقد ذهب «جون لينون» إلى حد السخرية من وكالة المخابرات المركزية في أحد اللقاءات قائلًا: «علينا أن نتذكر دائمًا أن نشكر وكالة المخابرات المركزية (سي آي إيه)، والجيش على (LSD)، هذا ما ينساه الناس، فقد ابتكروا (LSD) للسيطرة على الناس، وكان ما فعلوه أن منحونا الحرية».

وقد ذهب رئيس المشروع «سيندي جوتليب» إلى حد القول بأن مجهوده بأكمله كان «عديم الفائدة»؛ مما يشير إلى أن المشروع قد فشل في إرضاء أي شخص، ومع ذلك فقد استُخدمت بعض عناصر البرنامج في أنظمة التعذيب الحديثة، مع التركيز على التعذيب النفسي.

كيف وصل إلينا ذلك؟

في عام 1973، أمر مدير وكالة المخابرات المركزية «ريتشارد هيلمز» بتدمير كافة المستندات المتعلقة بمشروع «إم كي ألترا»، غير أن 20 ألف صفحة حُفظت بشكلٍ خاطئ لتنجو من التطهير. وفي عام 1977، نظم الكونجرس لجنة الكنيسة وفحص السجلات، وبناءً على النتائج، أصدر الرؤساء جيرالد فورد وجيمي كارتر ورونالد ريجان أوامر بحظر إجراء جميع التجارب البشرية مستقبلًا بدون موافقة الجهات الحكومية، كما صُرفت بعض المبالغ المالية لأولئك الذين آذتهم الاختبارات.

كيف كان ذلك غير قانوني؟

ويفند التقرير كون ذلك المشروع غير قانوني لانتهاكه قوانين نورمبرج، التي وافقت عليها الولايات المتحدة بعد محاكمات مجرمي الحرب النازيين، بإدارته للمخدرات دون موافقة مستنيرة، ففي حين توفي شخصان على الأقل، هما: فرانك أولسون، وهارولد بلاور، نتيجة لتخديرهما دون علمهما، إلا أنه يظل من العسير معرفة المدى الحقيقي للضرر النفسي وعدد الوفيات، إذ أُحرقت أغلب السجلات، بالإضافة إلى الطبيعة غير العلمية للعديد من الاختبارات التي تجعل من المستحيل تحديد ما إذا كانت الأحداث اللاحقة -كالانتحار على سبيل المثال- تُعزى إلى الاختبارات.

ما نعرفه إذن بحسب التقرير، أن «سي آي إيه» استخدمت عقاقير لتغيير عقول سكان مدنيين آمنين، كانوا أضعف بكثير من أن يقاوموها، ثم حاولت طمس الحقيقة، وهذا يعزز كون بعض نظريات المؤامرة حقيقيةً تمامًا، وإن بدت معظمها مبالغات، يسهل كشف زيفها بقليل من التفكير.

ويختتم التقرير بقوله إن مشروع «إم كي ألترا» كان مؤامرة بين الحكومة والكثير من المؤسسات، قاموا فيها بإعطاء الناس عقاقير بدون درايتهم، واستخدموا أي نتائج حصلوا عليها من ذلك لأغراض جاسوسية، وإن باتت الأبحاث العلمية الحديثة في مجال العقاقير المخدرة تُجرى لأغراضٍ حميدة على الأرجح، فلا ينبغي أن ننسى أن قدرًا كبيرًا مما نعلمه عنها، اكتُشِف بغرض استخدامها أسلحة، وهذا تذكير واقعي بما يمكن للعلم أن يفعله عندما يكون بلا توجيه.

 

ساسة بوست

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

Loading...