تركيا قامعة الصحافيين تهاجم السعودية لقتلها صحافياً !

لمنشقون السعوديون لا يختفون في الهواء. إذا حدث أي شيء، فإنهم يختفون عن عمد، كما حدث مع الصحافي والمعلق الإعلامي البارز جمال خاشقجي. إذ دخل القنصلية السعودية في اسطنبول لتوقيع أوراق تتعلق بزواجه المرتقب لكنه اختفى منذ ذلك الحين.

يبحث المحققون الأتراك في إمكان تعرض خاشقجي للتعذيب والقتل والتقطيع حين كان لا يزال في مبنى القنصلية.

بعد وفاة الملك عبد الله بن عبد العزيز في كانون الثاني/ يناير من عام 2015، عُيّن محمد بن سلمان -أو MBS كما يطلق عليه أحياناً- وزيراً للدفاع ثم ولياً للعهد لاحقاً. وبصفته صانع القرار الأبرز في البلاد، قاد بلاده إلى كارثة تلو الأخرى.

خطته الكبرى -رؤية 2030- هي محاولة طموحة لإعادة هيكلة الاقتصاد السعودي لجعل مملكة الصحراء أقل اعتماداً على النفط، وخفض ديون البلاد، وتعزيز القطاع الخاص، وبناء مجمعات راقية وضخمة، ومنح النساء حقوقاً أكثر.

وبينما لفتت الدعاية المرتبطة بإعطاء المرأة الحق في القيادة الانتباه بشكل إيجابي، إلا أنه في الواقع كان هناك افتقار شديد إلى التخطيط المسبق المُفصّل وراء الرؤية المعيبة، كما يعتمد كل شيء تقريباً على الدور المركزي لمحمد بن سلمان نفسه. لا تزال حقوق الإنسان تمثل مشكلة، والمملكة لا تزال مُنغلقة، والنساء لا يزلن بعيدات من المساواة، والقبلية لا تزال متجذرة، وينتشر الفساد والمحسوبية.
كان رد فعل محمد بن سلمان على غياب الحماسة لدى المستثمرين لخطته ومشكلة التدفق النقدي الناتجة هو جمع رجال الأعمال السعوديين واحتجازهم في فندق ريتز كارلتون في الرياض، كجزء مما يُطلق عليه تحقيق مكافحة الفساد. وقع رجال الأعمال على اعترافات بعد التعذيب وتحت الضغط وتم تسليم مليارات الدولارات المنهوبة إلى السلطات السعودية.

في الواقع، كان هذا تطهيراً سياسياً واستيلاء على الأموال بشكل معاصر.

ولكن هذا لم يُشجّع المستثمرين الأجانب. في آب 2018، وبشكل مفاجئ، تم إلغاء اكتتاب أرامكو المُقدّر بنحو 2 تريليون دولار لشراء حصة تبلغ 5 في المئة في الشركة – والتي كانت ضرورية لتمويل رؤية ولي العهد الكبرى.
تشمل كوارث محمد بن سلمان الأخرى مضاعفة حدة الحرب الأهلية اليمنية – التي لا تبدو لها نهاية تلوح في الأفق – واختطاف رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري وإجباره على الاستقالة، والذي تراجع عن استقالته بمجرد عودته إلى لبنان، والمقاطعة الفاشلة لقطر، والتي فشلت فشلاً ذريعاً في إقناع الدوحة بمواءمة سياستها الخارجية مع مجلس التعاون الخليجي، إضافة إلى عدم القدرة على منع الهيمنة الإيرانية في سوريا مع النصر الوشيك لبشار الأسد.
وعلى رغم القيود الصارمة على المجتمع المدني وعلى المعارضين الداخليين لرئيس تركيا المستبد رجب طيب أردوغان، فإن تركيا -بشكل مثير للدهشة- مكان منفتح نسبياً لعمل المنخرطين في السياسة الشرق أوسطية. هذا صحيح بالنسبة إلى طائفة غير متجانسة من الناشطين، مثل المنشقين الإيرانيين والمنفيين السوريين وأعضاء حماس.

ولكن يبدو أن انتقادات خاشقجي المتزايدة، والذي قسم وقته بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، واستقر جزئياً في تركيا أيضاً، وهي الدولة التي كانت على الطرف المقابل من سياسات محمد بن سلمان -فقد دعمت قطر خلال أزمة العام الماضي ويبدو أنها ستتوصل لتفاهم مع إيران حول سوريا- كانت ببساطة أكثر مما يستطيع محمد بن سلمان تحمله.
تصاعدت التوترات بالفعل بين تركيا والسعودية حول دعم أنقرة الإخوان المسلمين في مصر (ضد الرئيس السيسي المدعوم من السعودية)، وعموماً تنافس تركيا السعودية على النفوذ والمكانة والقيادة في العالم الإسلامي السني.
وعلى رغم أن أردوغان لا يزال ينتظر صدور نتائج التحقيق، فقد أشار بالفعل إلى أنه يولي اهتماماً شخصياً لهذه القضية.

إذا توصّل المحققون إلى أن خاشقجي قد قُتل على أرضٍ تركية، فسيعتبر أردوغان ذلك إهانة شخصية له. ولا يُعرف عن الرئيس التركي حار الدماء أنه يتسامح مع الإهانات (ولا يفوت فرصة لتسجيل النقاط أيضاً) ولا شك في أنه سيواصل الهجوم ضد السعودية.
ولكن على رغم ذلك، فمن غير المرجح أن تتلقى تركيا أي دعم ذي معنى، بخاصة من الغرب.

فنادراً ما تنطق القوى الغربية بمعارضة رسمية للسياسات السعودية. وقع استثناء مهم في الصيف الماضي عندما أصدرت كندا إدانةً باللغة العربية لسجل المملكة السيئ في مجال حقوق الإنسان والمعاملة غير الإنسانية للمعارضين.
كانت الاستجابة سريعة وقوية. إذ مُنِحَ سفير كندا 24 ساعة فقط لحزم حقائبه والمغادرة. وأعلنت الرياض بعدها إلغاء الصفقات التجارية الاستثمارات الثنائية بين البلدين.

تلقت أوتاوا دعماً دولياً ضعيفاً. وغسلت جارتها الجنوبية القوية يديها من هذه المسألة. وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية هيذر ناويرت إن الأمر يرجع إلى الحكومتين السعودية والكندية لحل خلافاتهما. وترددت رؤى مماثلة في جميع أنحاء أوروبا.

يمكن أن يرتاح محمد بن سلمان لعلمه أن دونالد ترامب يبدو معجباً بالسعودية، وأن الأمم الأوروبية تحتاج إلى أن يستمر النفط السعودي في التدفق بسعرٍ معقول. وفي الوقت نفسه، فإن صفقات الأسلحة الأميركية والبريطانية والفرنسية مع السعودية تساوي مليارات الدولارات. وتساوي الصفقات مع ألمانيا وإيطاليا مئات الملايين. ومع وجود كل هذه المليارات على المحك، فكل ما يمكن أن تفعله الدول الغربية هو إبداء استياء صامت، والهمس في عاصفة رعدية.

بدلاً من ذلك، استعدوا لمشاهدة أداء تركيا – التي خطفت أجهزة الأمن التابعة لها منذ الانقلاب الفاشل عام 2016 ما يصل إلى 100 عضو من أعضاء حركة غولن في الخارج، ونفذت تطهيراً شمل مئات الآلاف من المنتقدين وسجنت أكثر من 100 صحافي – وهي تدين السعودية لأفعالها السيئة في الخارج وأسلوب تعاملها مع المعارضين.
هذا حقيقي، يوشك اثنان من أكبر منتهكي حرية التعبير في العالم، على مهاجمة بعضهما بعضاً، بسبب انتهاك كل بلد للحريات الأساسية. وما يجعل الأمر أسوأ، أن أردوغان ومحمد بن سلمان ربما لن يفكرا في هذه المفارقة.

مترجم : هارتس

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

Loading...