الغارديان: ترحيل اللاجئين السوريين من تركيا باتجاه مناطق الحرب

نشرت صحيفة الغارديان تقريراً تتحدث فيه عن ترحيل اللاجئين السوريين العائدين من تركيا إلى إدلب السورية، والتي لم تتعافى بعد من الحرب. حيث يشير التقرير إلى الخيارات المحدودة أمام السوريين الفارّين من تصاعد التوتر في إدلب: فإما السجن لمدة غير محدودة أو التوقيع على استمارة تفيد بتنازلهم عن حقهم في طلب اللجوء ليتم ترحيلهم باتجاه الحدود مع إدلب. وتصف الغارديان ما يحصل بأنه عمل يتعارض مع القانون الدولي.

وبدأت الغارديان تقريرها بوصف ما حصل مع طارق البالغ من العمر ستة وعشرون عاماً. حيث قال في حديثه للصحيفة إنه يتذكر بالتفصيل الـ 22 مرة التي عبر فيها الجدار الأسمنتي الحدودي الذي يفصل إدلب عن تركيا وتجنّبه لوابل الرصاص والركض بأقصى ما يمكنه من سرعة، إلى أن تمكن حرس الحدود التركي من إلقاء القبض عليه في محاولته الثالثة والعشرون وإعادته إلى بلده. حيث اقتاده الجنود إلى مركز للشرطة يسمى الفرع 500 في هاتاي التركية، وهناك عرض عليه أحد الخيارين: إما البقاء في السجن مع عدم توضيحهم إلى متى، أو التوقيع على ورقة والخروج حراً. والتوقيع على الورقة كان خيار طارق، حيث وقّع في اليوم التالي وتم نقله عبر الحدود لإعادته من حيث أتى. ولم يكتشف طارق أهمية الورقة التي وقّع عليها إلا عندما عبر مرة أخرى من سوريا إلى تركيا لتخبره السلطات التركية أن التوقيع الذي تم في الفرع 500 كان يقرّ من خلاله عن تنازله عن مطالبته بحق اللجوء.

ومع استمرار المواجهة بين النظام السوري والمعارضة في آخر معاقل المتمردين في سوريا, يكشف التقرير بأن اللاجئين السوريين الغير مسجلين في تركيا يواجهون الاعتقال والترحيل مرةً أخرى إلى الحرب التي فرّوا منها. حيث يزعم البعض أنهم أجبروا على التوقيع على أقوالهم مقرّين بعودتهم بإرادتهم الحرة. إلا أن منظمات حقوق الإنسان تعدّ هذا انتهاكاً للقانون الدولي الذي يحظر الإعادة القسرية، حيث يرسل اللاجئون إلى مناطق الحرب. حيث يقول جيري سيمبسون من منظمة هيومن رايتس ووتش: “من الواضح أن عمليات الترحيل هذه غير قانونية لأن المرحّلين لاجئين، وإعادتهم تعتبر إعادة قسرية”.

فتركيا التي لطالما تفاخرت بـ “سياسة الباب المفتوح” تجاه السوريين، والتي تستضيف في الوقت الحالي أكثر من 3.5 مليون سوري وهو أكبر عدد لاجئين في العالم، تغلق اليوم أبوابها أمام هؤلاء الذين يحاولون الفرار من حمام الدم المتوقع في محافظة إدلب مع اقتراب القوات السورية وحلفائها منها. حيث صرّح وزير الداخلية التركي سليمان سويو للصحفيين في شهر أيلول قائلاً: “سوف لن نتحمل مسئولية موجة الهجرة التي قد تأتي في أعقاب هجمات إدلب”.

ويشير التقرير إلى تكثيف نقاط التفتيش من قبل الشرطة التركية، حيث يتم اعتقال السوريين الذين لا يملكون وثائق أو تصاريح سفر خارج المدن المسجلين بها، كما أوقفت تركيا تسجيل الوافدين الجدد. كل ذلك يجعل السوريين غير قادرين على العمل بصورة قانونية ويمنعهم حتى من زيارة المستشفى، فضلاً عن كونهم عرضة للاعتقال. فأشرف، المتواجد الآن في اسطنبول حيث يعمل في السوق السوداء ويعيش مع الخوف المستمر من الاعتقال بعد أن تم ترحيله إلى سوريا ذات مرة، تحدث للغارديان قائلاً: “قلت للضابط أرجوك لا ترسلني إلى إدلب. فأنا لا أعرف أي أحد هناك. أرسلني على الأقل إلى مدينتي، إلى درعا”. وعندما عرضت الغارديان عليه “استمارة العودة الطوعية” التي تستخدمها السلطات في الفرع 500، قال أشرف أنها ذات الاستمارة التي أجبرته الشرطة على توقيعها قبل ترحيله.

وبحسب التقرير، فإن امتلاك السوري لأوراق إقامة لا يعني أنه محمي من الاعتقال من قبل الشرطة. فابن محافظة حمص المحامي سامر طلاس ذي الـ 42 عاماً، والذي عمل بصورة شرعية في منظمة سورية غير حكومية في مدينة غازي عنتاب التركية حتى حزيران من العام 2017، اعتقلته الشرطة التركية واقتادته إلى مركز الترحيل في أوزيلي. وعندما أخبرت الشرطة في المركز السوريين بأنهم سوف يرحّلون إلى سوريا في صباح اليوم التالي إذا ما وقّعوا على استمارة الترحيل الطوعية، رفض طلاس التوقيع. وبعد مكوثه في الاحتجاز لمدة 45 يوماً، استلم أمراً بالترحيل بسبب “العمل بدون ترخيص”. ويقول طلاس: “إن ما تفعله السلطات التركية أمر مثير للسخرية لطالما قمت بورشات عمل تدريبية للسوريين في تركيا عن هذا الموضوع. ما تفعله السلطات التركية اليوم ضد القانون”.

وقد جاء رد الحكومة التركية للغارديان في رسالة تنكر فيها مديرية الهجرة في تركيا من خلالها وجود أي عمليات ترحيل قد تمت، مشيرةً إلى أنه لا يُحرم أي سوري من فرصة التسجيل، وأنه سوف يواجه الاحتجاز إذا لم يكن مسجلاً. كما تؤكد الرسالة بأن تركيا لم ترحّل السوريين من أراضيها بأي شكل من الأشكال.
وفي حديث الغارديان إلى العديد من السوريين الذين تعرضوا للاحتجاز في مركز الترحيل في أوزلي، كان وصفهم للمركز مفصلاً ومتشابهاً. فبتمويلٍ من الاتحاد الأوروبي تم تحويل المركز من مدرسة إلى مركز احتجاز، فهو أشبه بالسجن ويضم الآن 750 شخصاً، وكل زنزانة تضم ستة أشخاص. كما أكدوا قدوم حافلات بشكل منتظم تضم من 20 إلى 30 شخص أتت بهم من مدن أخرى لتقتادهم إلى الحدود.

ويشير التقرير إلى حق المحتجزين الحصول على مساعدة قضائية، لكن لا أمل من تلك المساعدة! فبحسب المحامين العاملين في قضايا السوريين، بما أنهم محتجزون إدارياً لا يمكن فعل شيء سوى استئناف القضية لنقلها إلى محكمة مفتوحة، وإلى أن تتم الإجراءات يكون هؤلاء المحتجزين قد تم ترحيلهم. ويقول المحامي سامر ضيائي: ” في أغلب الحالات لا طاقة للمعتقلين لتحمل أتعاب المحامي، لذا من الأيسر لهم الاستسلام والتوقيع على استمارة العودة الطوعية”. وبحسب سيلين أونال، المتحدثة باسم المفوضية السامية، فإن الوكالة التابعة للأمم المتحدة على علم بوجود أكثر من 100 محتجز في أوزلي والذين كان من المقرر ترحيلهم إلى سوريا. وتضيف بأنه قد يكون هناك أرقام أخرى لكن لا فكرة لديهم عنها حيث لا يملكون أي إمكانية للوصول بشكل منتظم إلى مراكز الترحيل تلك. ويبين التقرير بأن لكل استمارة عودة طوعية مساحة لثلاثة تواقيع، إحداها للشخص العائد والأخرى للسلطات التركية والأخيرة لموظفي الأمم المتحدة, وهم المراقبون الدوليون الوحيدون لهذه العمليات. حيث يؤكد المراقبون أنهم يبذلون جهدهم للتأكد من خلو العملية من الإكراه، لكنهم مقيدون ولا مساحة كافية للتأكد.

وتدعي السلطات التركية أن 250000 سوري اختاروا العودة، وأن الفرع 500 هو الوحيد الذي تتم فيه معالجة الإجراءات. إلا أن المفوضية السامية أقرّت بأن موظفيها أشرفوا فقط على 19311 عملية، وبأنهم سلّموا جميع طلبات اللجوء إلى السلطات التركية في وقت سابق من هذا الشهر. وبحسب متحدث باسم حاكم هاتاي إلى الغارديان، فإن السوريين الذين تم ترحيلهم قد تم القبض عليهم خلال عبورهم الحدود التركية بصورة غير شرعية أو في حالات الجريمة، رافضين تقديم المزيد من التفاصيل عن الموضوع. وقد عدلت تركيا في شهر أكتوبر من العام 2016 قانون الحماية المؤقتة الخاص بالسماح بالترحيل، ليسمح للسلطات ترحيل الأشخاص الذين ترى المحكمة الإدارية أنهم يشكلون تهديداً للنظام العام أو الأمن أو الصحة أو الاشتباه بكونه إرهابي. وعن هذا الموضوع يقول هارون أرمجان، عضو البرلمان عن حزب العدالة والتنمية (AKP): ” إن الشعب التركي يرتكب جرائم ويواجه الإجراءات القانونية اللازمة. وكذلك يرتكب السوريون جرائم أيضاً، بالنسبة للبعض منهم فإن الإجراءات القانونية الواجب اتخاذها تتطلب ترحيلهم”. ويضيف: “إن عدد الأشخاص الذين يتم ترحيلهم منخفض للغاية”. لكن ضيائي يرى أنه من واجب السلطات التركية أن تغلق الثغرات القانونية التي يتم من خلالها إعادة الأشخاص إلى منطقة الحرب. ويقول: “بالطبع، لدى تركيا قوانين تنص على الإجراءات الواجب اتخاذها بحق المجرمين والإرهابيين، لكني أتحدث عن أشخاص لربما كانوا في الوقت الغير مناسب في المكان الخطأ، أو لديهم مشكلة في الأوراق، وفي النهاية عليهم اختيار احد الخيارين: إما التوقيع أو المكوث في السجن, وهذا أمر مثير للقلق”.

وتنهي الغارديان تقريرها بالإشادة إلى تدخل المحاكم التركية في بعض الأحيان عند وجود خطر من الإعادة القسرية. لكن بحسب ضيائي فإنه بمجرد أن تصدر مديرية الهجرة أمر الترحيل، فالقرار نهائي لا رجعة فيه. وقد كان الأمر مختلفاً مع سامر طلاس حيث كان المخرج الوحيد للنفاذ من الترحيل هو حصوله على تأشيرة دخول إلى فرنسا، حيث كان محظوظاً في الحصول عليها لكونه على صلة بجماعات المجتمع المدني في الخارج, فيقول: “عندما سجنت في سوريا لمدة ثلاثة سنوات, أدركت أني مذنب في السير ضدّ الحكومة. لكن في تركيا سجنت بلا سبب! هذا هو الظلم..”.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

Loading...