اقليم كردستان العراق . . الحزبين الكرديين وصراع الزعامة

أحیا “الحزب الديموقراطي الكردستاني” الذكرى الأولى لفقدان الأكراد سلطاتهم الأمنية والاقتصادية في كركوك في السادس عشر من هذا الشهر المعروف كُردياً بـ “16 أكتوبر” (تشرين الأول). وأصدر زعيم الحزب مسعود بارزاني، بياناً نعت فيه اليوم بـ “المظلم في تاريخ الشعب الكُردي”، ووجه سهامه الى خصومه في الاتحاد الوطني عندما عزا سبب ذلك إلى “الخيانة التي ارتكبت بحق آمال الأكراد وتطلعاتهم”. لم يحمل بيان بارزاني جديداً في تفسيره ما حصل من انسحاب قوات البيشمركة في مدينة كركوك قبل عام وبعد أقل من شهر على إجراء الاستفتاء، لكن تأكيد هذه الاتهامات والإصرار على وصف مدينة كركوك بالمحتلة، في وقت يخوض فيه حزبه مفاوضات ماراثونية في بغداد للانخراط في الحكومة المقبلة والعهد العراقي الجديد، فاجأ الكثير من الأطراف السياسية العراقية التي تسعى إلى فتح صفحة جديدة مع الأكراد في الوقت الحالي عبر توالي زيارات الوفود إلى إربيل ومحاولة استيعاب بارزاني وحزبه ضمن العملية السياسية العراقية التي ترعاها طهران وواشنطن.

تلقى الاتحاد الوطني سهام بارزاني بخطابين مختلفين، حيث حمّل قادة ومتحدثون بارزون “استفتاء بارزاني” مسؤولية فقدان الأكراد كركوك والتسبب بتعرض القوات الكردية لهجوم القوات العراقية بدعم وغطاء إقليمي وفرتهما كل من إيران وتركيا، وسط صمت وترقب أميركي حذر من بعيد. وبجانب هذا برّأ مسؤول الهيئة العاملة في المكتب السياسي للاتحاد “ملا بختيار”، السياسة الرسمية لحزبه من مسؤولية الانسحاب من كركوك، والاتفاق مع القوات العراقية خلف الكواليس، ورمى كرة الاتهام إلى ملعب قيادات في حزبه وصفهم في بيانات سابقة بـ “مراهقي السياسة”، في إشارة إلى قادة شباب نافذين اتفقوا مع السلطات الاتحادية في بغداد أثناء حصار كركوك على انتشار القوات الاتحادية فيها، من دون قتال أو مواجهات حقناً للدماء وانتقاماً من تفرد الديموقراطي بنفطها وخيراتها مثلما أعلنتها القيادية السابقة في الاتحاد آلا طالباني وغيرها من قيادات الاتحاد في وقته صراحة.

وعلى رغم حصر الاتحاد وخصمه الديموقراطي وصف الخيانة بجناح داخل الاتحاد، إلا أن الإعلام الرسمي للاتحاد “pukmedia” استغل ذكرى انسحاب قوات الديموقراطي في المناطق المتنازع عليها الواقعة في حدود نينوى يوم “17 من أكتوبر” لاتهام خصمه بـ”تسليمها لقوات الحشد الشعبي والقوات الاتحادية من دون أي مقاومة”. واستذكر الموقع الناطق باسم الاتحاد، اجتياح “داعش” لقضاء سنجار في 3 آب/ أغسطس 2014 بسبب “ترك قوات الديمقراطي الإيزيديين فريسة لداعش” على حد قوله، واتهم الديمقراطي بتكرار الخطوة مع القوات العراقية العام الماضي أيضاً، وأكد أن الانسحاب وقع على رغم قيادة أبناء بارزاني وأبناء أشقائه للبيشمركة المنتشرين في سهل نينوى وأطراف الموصل وسده الشهير و قضاء مخمور، وذكر بيان الاتحاد أن عدد المدن والبلدات التي شملها الانسحاب من قبل الديموقراطي بلغت 18 وحدة إدارية، في اليوم الذي تلا انسحاب الاتحاد من كركوك.

تناطُحُ الحزبين ليس بالجديد في الساحة السياسية الكُردية بل يرجع تاريخه إلى أكثر من نصف قرن حينما انشق جناح طالباني مع والد زوجته “ابراهيم أحمد” عن الزعيم مصطفى بارزاني، ووصل الأمر بينهما إلى الاشتباك المسلح أكثر من مرة، وتجدد القتال الدموي بينهما في تسعينات القرن الماضي لأربع سنوات ضمن ما كان يعرف بـ”قتال الأخوة”، ثم دخلا بعد سقوط النظام العراقي السابق “2003”، حقبة تقاسم السلطة والثروة، ضمن ما أطلق عليه “الاتفاق الاستراتيجي”، لكن التوتر بينهما زاد حدة بعد أن أطاح برهم صالح بمرشح بارزاني لرئاسة العراق، فؤاد حسين “2/10” في انتخابات مجلس النواب، بعدما كان الديموقراطي يعول كثيراً على نجاح مرشحه وفق اتفاقات واعتبارات بينها وبين الكتل الشيعية الرئيسية.

تؤكد المؤشرات الصادرة من إربيل أن الديموقراطي لن يسامح حليفه الغريم “الاتحاد” هذه المرة كما حدث بعد الانسحاب من كركوك وترك ظهر قوات الديموقراطي مكشوفاً للقوات الزاحفة نحو المدينة وأطرافها الغنية بالذهب الأسود “النفط”، حيث نقل زوار لبارزاني في مقابلة مع “صوت أميركا” عدم ممانعة زعيم الديموقراطي العودة إلى نظام إدارتي إربيل والسليمانية والأخطر من هذا عزمه على منع الرئيس العراقي المنتخب، برهم صالح، من زيارة أربيل، ما أعاد الى الأذهان ما حدث مع رئيس برلمان كردستان، يوسف محمد، المنتمي إلى حركة التغيير المعارضة قبل عامين “12 أكتوبر 2015″، عندما منعه الديموقراطي من العودة الى مزاولة عمله في العاصمة إربيل، على رغم تمتعه بالحصانة باعتباره رئيساً للسلطة التشريعية ولم يتمكن من العودة إليها إلا بعد الاستقالة وانتهاء الدورة البرلمانية.

لم يصدر تأكيد أو نفي من الديموقراطي عن فحوى ما نقل عن بارزاني، لكن ابن شقيق بارزاني ورئيس حكومته، نيجيرفان بارزاني أكد في مؤتمر صحافي عدم تعاملهم مع الاتحاد وفق نظام المناصفة مثلما كان سائداً بينهما في الدورة السابقة بسبب رئاسة الجمهورية، وسط تسريبات بعزم الديموقراطي على تقوية حركة التغيير نكاية بالاتحاد واستحداث منصب نائب رئيس مجلس الوزراء ثانٍ بجانب قوباد طالباني من أجل تحجيم دوره وسلطاته، إذ كان بمثابة رئيس الوزراء الفعلي في مناطق نفوذ حزبه في الدورة السابقة، على رغم شغله منصب نائب رئيس الحكومة رسمياً وعلى رغم إلغاء تكليفه من البرلمان بتشريع قانوني.

وخلافاً للسيناريوهات السوداوية التي تتسرب عن احتمال اتجاه الديمقراطي الفائز بأكثر من أربعين مقعداً من مئة مقعد مخصص للتنافس العام في الانتخابات الأخيرة لبرلمان كردستان “30 سبتمبر 2018” لتشكيل حكومة أغلبية مع معارضين والتعامل مع الاتحاد الفائز بأكثر من عشرين مقعداً وفق الاستحقاق الانتخابي، يرى آخرون أن التوتر الأخير يعد أمراً مرحلياً وعابراً وقابلاً للتهدأة قياساً بالمصالح التي تجمع الطرفين، وقد أكد سكرتير المكتب السياسي للديموقراطي فاضل ميراني، على هذا المبدأ في لقاء صحفي، وأعلن المتحدث باسم الاتحاد، سعدي بيرة، أنهم يتفهمون سخط واعتراضات حليفهم لأن “الديموقراطي الكردستاني مصاب بالجرح بسبب رئاسة الجمهورية وأنهم يعملون على معالجة جروحه حالياً، وفق تعبير الناطق باسم الاتحاد الوطني.

المصدر : درج

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

Loading...