الدستور السوري والسيناريوهات المحتملة

تتوالى الأخبار حول تشكيل الثلث الثالث من اللجنة الدستورية والخلافات التي تحيط بها، وما يزال السوريون كشعب خارج العملية السياسية، باتجاهين: أولهما، السماح له بالمشاركة الحقيقية في اختيار أعضاء اللجنة، وثانيهما، معرفة ما هي مهمة هذه اللجنة الدستورية بشكل عملي وفعلي، حيث لم تحدد أي جهة من المشاركين من الطرفين إذا كانت تستعد فعلياً لكتابة دستور دائم للبلاد، أم أنها تعمل على ضبط وثيقة دستورية موقتة، تضبط مرحلة إنهاء الصراع المسلح، وتؤسس لبيئة مستقرة، توفر لكل السوريين فرصة المشاركة التفاعلية مع أطراف التفاوض -على جانبي الصراع- باختيار اللجنة الدستورية المؤهلة سياسياً وأكاديمياً، لصناعة دستور جديد لتأسيس جمهورية سورية بعد الحرب الدامية التي استمرت داخلياً 8 سنوات، وتمددت خارجياً حتى حدود ما بعد أوروبا والأميركيتين.

أي أننا أمام مشكلة تشكيل اللجنة، من حيث التمثيل والشرعية والأهلية، وفي الوقت ذاته، هناك مشكلة الخلاف حول مضمون عمل هذه اللجنة، في حال تم التوافق عليها، سواء بالتراضي بين الطرفين المحليين، أو بالتسويات الدولية التي تتم عبر مسارين، الأول ثنائي ثنائي: روسي- أميركي، والآخر رباعي: روسي- تركي- ألماني- فرنسي، حيث يتعذر التوافق المحلي من دون ربطه بالتسويات الدولية، بمساريها الثنائي والرباعي، ومن ثم ادراجها في المسار الأممي، فحيث يخشى النظام من أن يواجه دستوراً جديداً يصاغ بعيداً من عين رقابته المباشرة، فإن وفد المعارضة من جهته، والممثل للكيانات التي انبثقت عنها اللجنة، يخشى من هيمنة وفد النظام على مجريات عملية صناعة الدستور، ما يفقده ما تبقى له من شرعية التمثيل للمعارضة، وبالتالي القدرة على التأثير داخل الوفد وخارجه.

ولهذا فإن ما يمكن الحديث عنه اليوم من محفزات لتسريع إنجاز اللجنة، على المستويات المحلية والدولية، يتمثل بمشروعين حيويين، أحدهما سياسي، يتعلق بشكل المنطقة الـ «خالية من التدخل الإيراني»، وهو الأمر الذي يعني المعارضة بشكل أساسي حيث تعتبر إيران العامل الحاسم في تأخير الحل السياسي، كما أنه الشرط اللازم لكثير من الدول الفاعلة في الصراع على سورية، والمشروع الآخر اقتصادي، يتمثل بمشاريع إعادة الإعمار وعوائدها محلياً وإقليمياً ودولياً، وبينما تفتح روسيا شهية الدول للشراكة في إعادة الإعمار بالوعود، تربط الولايات المتحدة رغبة المتأهبين لهذه الشراكة بشرطين أساسيين هما إنهاء إيران من المشهد السوري، وبدء أعمال اللجنة الدستورية وفق محددات التغيير الأساسية التي نوهت لها بالشراكة مع دول مجموعة العمل من أجل سورية.

 ولعل المهم اليوم أن نعرف مضمون مهمة اللجنة، فهل هي لإعداد دستور ما بعد الصراع؟ أي أننا إزاء مصادرة مباشرة لحق السوريين في اختيار مصيرهم من قبل لجنة يتم تعيينها وفق التسويات الدولية، وبما يضمن مصالح الدول، أم أننا في مرحلة إعداد مقدمات دستورية أو توافقات على مبادئ دستورية؟ فإذا كان الخيار هو وضع دستور دائم للبلاد (وهو تجاوز على حق السوريين) فإن ذلك يتطلب توافقات سياسية بين كل قوى الصراع الداخلي، بما يضمن إنتاج دستور يرسخ عملية التوافقات، وينزع فتيل الصراع القائم، ويعالج أسبابه البعيدة منعاً من إعادة إنتاجه بأشكال جديدة، وبين مجموعات قائمة أو تمهد الظروف لتكوينها، ما يجعل الدستور يوظف في غير مهمته الأساسية بترسيخ السلام بين كل السوريين أفراداً وجماعات. ولكن مع ما تقدم فإنه من الجرأة أن نسأل: إذا لم يفرض الدستور الجديد بصياغته الجديدة، وبأساليب تنفيذه على المكونات السورية من (النظام والمعارضة)، فهل يمكن أن يحدث ذلك بالتراضي بعد 8 أعوام، من حرب أسست لتحويل مجموع الأسر السورية إلى ضحايا، أو عوائل لضحايا، سواء على الجبهات المتقابلة في الصراع (النظام والمعارضة)، أو على الجبهة الواحدة ذاتها، كحال الفصائل المحسوبة على المعارضة، والتي أزهقت الكثير من أرواح مقاتليها في حروبها البينية المعارضاتية؟ وبما أننا جميعاً نعرف باستحالة أن يخضع النظام لعملية التغيير بالتراضي، فإن الحل المرحلي -على الأقل- يكون بوجوب فرض التغيير وفق قرارات أممية، تؤسس لمرحلة ما بعد نظام الأسد، وما قبل مرحلة سورية الجديدة التي يعول عليها السوريون، وفقاً لتطلعاتهم الوطنية وقدراتهم الذاتية. أي أننا إزاء خيار إما القبول بالتغيير أياً كان شكله ومحتواه، لإنهاء مرحلة الركود في العملية السياسية، (والتي خرج منها العامل السوري ببعديه المؤيد والمعارض للثورة)، والانتقال إلى مرحلة العمل ما بعد النزاع المـــسلح، باستعادة أدوات الضــــغط الــــسلمية، لإنتاج حراك سياسي فاعل لتحقيق الغاية الأساسية للثورة بإقامة دولة المواطنة والمساواة، أو تمديد فترة الصراع بانتظار هزيمة تلحق بأحد طرفي الصراع دولياً، حيث لا طرف محلي قابل للنصر ضمن المعطيات الحالية؟ وعلى ذلك فإن الاستفادة التي يمكن التعويل عليها من دفع عملية التسوية في تشكيل اللجنة الدستورية، على الصعيدين المحلي والدولي، تكون ببدء مرحلة إعادة الإعمار في المناطق الأكثر تضرراً (حلب وإدلب ودرعا والرقة) لفسح مجال لعودة النازحين إليها، والتمهيد لبناء قدرات تنموية محلية خارج سيطرة المركز (دمشق)، وهو ما تتضمنه عناوين «اللاورقة» الصادرة في كانون الثاني (يناير) 2018، والتي تحدثت عن عملية التغيير في شكل نظام الحكم في سورية ومضمونه، للضغط باتجاه انفراجات سياسية لتمرير كامل مشروع إعادة الإعمار في كل سورية، وهو ما تعمل عليه روسيا الآن مع شركاء المجموعة الرباعية في تركيا، أي أن دوائر الضغط على دمشق للتخلي عن إيران كشرط لعملية التسوية السياسية، لم تعد فقط من جهة الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، وإنما أصبحت روسيا تشكل مركزاً محورياً فيها، من خلال شراكاتها المأمولة مع فرنسا وألمانيا بدءاً من الشمال وصولاً إلى دمشق.

إن ضبط إيقاع التغيير الدستوري مع بدء انفراجات تمويل إعادة الإعمار في سورية، على رغم أنه يقلص طموحات السوريين، ويجعلها تمر من قناة ضيقة ومحدودة، إلا أنه يؤكد أن كل الأطراف المتنازعة في سورية بدأت ترفع راية التسليم بضرورة التغيير في الأدوات والأسلوب لحصد النتائج على قلة أرباحها، وتقنين الخسائر التي طاولت الجميع على اتساع رقعة المتدخلين في حرب السنوات الطويلة.

المصدر : الحياة
سميرة المسالمة

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

Loading...