هل كان دور دي مستورا حل النزاع أم ادارة أزمة الحرب في سوريا ؟

تعاني المنطقة العربية من طائفة من الأزمات والصراعات الداخلية والبينية، ما جعلها تستحوذ على ما تقدر نسبته بـ24 في المئة من الصراعات في العالم. بالتالي استدعت تدخلات خارجية ووساطات دولية تزعمتها الأمم المتحدة عبر ممثل خاص للأمين العام للأمم المتحدة.

ومن بين حوالى 115 مبعوثاً أممياً خاصاً موزعين على مختلف القارات والمناطق الجغرافية الساخنة في العالم، وفي ثلاث أزمات عربية فقط شارك 16 مبعوثاً أممياً حمل بعضهم جنسيات عربية.

فقد تعاقب ممثلون خاصون عدة للأمين العام للأمم المتحدة على رئاسة بعثة المنظمة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو) منهم: الديبلوماسي السويسري جوهانس مانس، والديبلوماسي الباكستاني صاحب زاده يعقوب خان، وجيمس بيكر وزير الخارجية الأميركي الأسبق.

ومع بداية الأزمة اليمنية عام 2011، أرسلت الأمم المتحدة المبعوث الأممي جمال بن عمر الذي خلفه في مطلع عام 2015، إسماعيل ولد الشيخ أحمد وأخيراً البريطاني مارتن غريفيث.

وفي ليبيا تعاقب خمسة مبعوثين منذ بداية أزمتها في 2011 ، وهم عبد الإله الخطيب، إيان مارتن، طارق متري، وبرناردينو ليون وغسان سلامة.

ويعد ستيفان دي ميستورا، المبعوث الدولي الثالث إلى سورية، فقد سبقه مبعوثان هما: الأخضر الإبراهيمي وكوفي أنان، حملا صفة المبعوث الدولي – العربي المشترك إلى سورية، والذي أعلن استقالته من مهمته في 2 آب (أغسطس) 2012، وألقى مسؤولية فشله على العسكرة المتزايدة على الأرض وانعدام الإجماع في مجلس الأمن حول موقف واحد من الأزمة.

وتمحورت مهمة الإبراهيمي السورية حول التحضير لانعقاد مؤتمر جنيف «الثاني» واستيضاح طبيعة «الأدوار الإيجابية التي يمكن الدول الإقليمية الفاعلة القيام بها، وحدود «التنازلات الممكنة» من جانب السوريين حكومة ومعارضة. فضلاً عن تداول واقعية فكرة الهدنة الشاملة أو الجزئية، وفكرة «الهيئة الانتقالية وصلاحيتها»، والتي وردت في وثيقة جنيف «الأول» في حزيران (يونيو) 2012.

ويُعد دي ميستورا، الذي سيترك منصبه في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، لأسباب شخصية»، إذ تزوّج حديثاً ويريد التفرغ لأسرته! ويحمل الجنسيتين السويدية والإيطالية، شخصية مثيرة للجدل رغم خبرته الديبلوماسية الكبيرة. فخلال عمله مبعوثاً إلى سورية، طيلة السنوات الأربع الماضية، لم يحظ برضا النظام ولا المعارضة في سورية، فضلاً عن تعرضه لانتقادات عدة من جانب روسيا. فقد دعا المعارضة السورية في أحد تصريحاته إلى الإقرار بهزيمتها في الحرب، والتوجه إلى بناء السلام على هذا الأساس.

كما اقترح خريطة طريق لتنفيذ «بيان جنيف» تدعو إلى تشكيل هيئة حكم انتقالية بصلاحيات تنفيذية كاملة، إضافة إلى تشكيل مجلس عسكري مشترك من النظام والمعارضة واتفاق الطرفين على «قائمة من 120 مسؤولاً لن يستلموا أي منصب رسمي خلال المرحلة الانتقالية، إضافة إلى إلغاء بعض الأجهزة الأمنية وصولاً إلى إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في رعاية الأمم المتحدة. وحاول دي ميستورا تسوية النزاع السوري استناداً إلى تجربته في البوسنة والهرسك، أي محاكاة تجربة «الجيوب الآمنة» التي رعتها الأمم المتحدة هناك خلال الفترة من 1993 إلى 1995 مع فارق بسيط، أنه بالنسبة إلى المناطق التي اقترح دي ميستورا إيجادها في سوريا، فلا تديرها الأمم المتحدة بل السكان المحليون أنفسهم.

ويبدو مفيداً مقارنة حصاد مهمة دي ميستورا في سورية بمهمة سلفه ومواطنه السويدي الكونت فولك برنادوت في فلسطين الذي عينته الأمم المتحدة وسيطاً لها لحل قضية فلسطين في 20 أيار (مايو) عام 1948، حيث استطاع تحقيق الهدنة الأولى في فلسطين في 11-6-1948 ثم بدأ ينفذ المهمة التي أوكلتها إليه الأمم المتحدة.‏ وتمكن من الدعوة إلى مفاوضات أجريت في جزيرة (رودس) في نهاية عام 1948 وتوصل إلى مجموعة من المقترحات حول مستقبل الوضع في فلسطين. وأعد مشروعاً جوهره «أن تتخذ الأمم المتحدة كل ما من شأنه إيقاف الأعمال العدوانية في فلسطين. والتعهد بضمانات فعالة لإزالة مخاوف العرب واليهود كل من الآخر بخاصة في ما يتعلق بالحرية والحقوق الإنسانية».‏

وقد رفض مشروع برنادوت من جميع الأطراف الفلسطينية والعربية والصهيونية, غير أن الرفض الصهيوني كان أعنف فقد قامت عصابة (شتيرن) باغتيال برنادوت في وضح النهار يوم 17/9/1948.‏

ويبدو من طريقة عمل مبعوثي الأمم المتحدة والنتائج التي توصلوا إليها في مناطق النزاع العربية، أنهم لا يعملون على حل الصراعات، وإنما على إدارتها، وأحياناً زيادتها ســــخونة وتوتراً، من خلال الانحياز إلى أحد طرفي النزاع بدلًا من وضع حــــلول عملية تساعد في الخروج من تلك الأزمات.

ولعل السبب الرئيسي في فشل مبعوثي الأمم المتحدة في مهماتهم يتمثل في تجاهل غالبيتهم جذور الأزمات والصراعات وأسبابها. إجمالاً، تبدو الأمم المتحدة غير فعّالة على صعيد حل النزاعات العالمية والأزمات الكبيرة كالأزمة السورية، كما أن نجاحاتها كانت قليلة ومتباعدة. ومعظم الوساطات من أجل السلام أنجزتها أطراف أخرى، كالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

ومما لا شك فيه أن الخطوة الأولى نحو تفعيل الدور السياسي للأمم المتحدة تتمثل في أن تكون تجسيداً لفكرة قوة الحق التي آن أوان تأكيد صدقيتها من خلال إلغاء حق النقض (الفيتو) الذي تتمتع به الدول الكبرى، حيث يسيء بعضها استخدامه وفقاً لمصالحه أو مناكفة للبعض الآخر الذي يرد باستخدام قوته العسكرية، ما يعمق الأزمات الدولية والإقليمية، ويحول المبعوثين الدوليين، في بعض الأحيان، من رسل سلام إلى سعاة بريد أو شهود زور في أسوأ الحالات.

المصدر : الحياة

مأمون كيوان

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

Loading...