الحقل الديني واستغلاله للوضع السوري

تُدرك الدولة السورية الدور الإنساني والاقتصادي الاجتماعي الحيوي الذي كانت المؤسسات الدينية تؤدّيه قبل العام 2011 وبعده، ولذلك تُتيح للميدان الديني النمو والتوسّع، فيما تسعى في الوقت نفسه إلى السيطرة عليه. ينصّ القانون الرقم 31، الذي أُقِرّ في تشرين الأول/أكتوبر 2018، على توسيع صلاحيات وزارة الأوقاف، فيما هو يعزّز السيطرة التنظيمية للدولة عليها.

هذه الوزارة، وعلى الرغم من أنها جهازٌ تابع للدولة، جزء من الميدان الديني الأوسع الذي عمل، على امتداد عشرين عاماً، على توطيد روابطه الاجتماعية والاقتصادية مع المجتمعات المحلية، في حين انحسرت تدريجاً مسؤوليات الدولة وإمكاناتها – أولاً بسبب السياسات النيوليبرالية ولاحقاً بسبب ضمور الدولة. ويساهم القانون الجديد – من جملة أهداف أخرى – في ترسيخ الفائدة التي تؤدّيها الوزارة بوصفها أداةً للتنمية الاقتصادية وإعادة توزيع الثروات. وسوف يتيح القانون للحكومة عموماً زيادة إشرافها على الوزارة والوصول إلى شبكاتها الاقتصادية والاجتماعية.

ويُستكمَل هذا القانون بواسطة الجهود التي تبذلها الدولة لاستبدال الشبكات المحلية في المناطق الخاضعة إلى سيطرة المعارضة سابقاً بشبكات “موالية”. صحيح أن المؤسسات الدينية تؤمّن منظومة بديلة للتوزيع، لكنها كانت وستبقى خاضعة إلى هيكليات السلطة المتوارثة وغير المتكافئة القائمة في البلاد. ولذلك غالب الظن أن الميدان الديني سيصبح أكثر نفوذاً، بحيث إنه لايُحدّد أسلوب المظاهر والشعائر الدينية وحسب، بل يتدخّل أيضاً باطراد في العلاقات بين الدولة والمجتمع، وفي الحياة اليومية.

الشبكات الدينية تنمو في ظل السياسات النيوليبرالية

أجرى الرئيس بشار الأسد، بين العامَين 2000 و2011، انعطافةً حادّة نحو الأنماط النيوليبرالية للإدارة الاقتصادية، عبر نقل المسؤوليات الاقتصادية والاجتماعية إلى عهدة كيانات خاصة. ومن النتائج التي ترتّبت عن ذلك بروز دور الجمعيات الدينية في تحفيز التنمية الاقتصادية على المستوى المحلي، وتأمين الخدمات الاجتماعية التي تشكّل حاجة ماسّة.

قبل العام 2000، كان لسورية اقتصادٌ يُحرّكه القطاع العام، ويُركّز على الاستثمارات الأوّلية في البنى التحتية والصناعة. وكانت الدولة تُملي إلى حد كبير السياسة الاقتصادية والاجتماعية.1 على سبيل المثال، أوردت منظمة الصحة العالمية أن أكثر من نصف القوة العاملة كان يعمل، قبل مطلع العام 2000، في قطاعَي الزراعة والصناعة اللذين يحصلان على دعم وتمويل كبيرَين من الدولة. علاوةً على ذلك، سلكت أعداد الجمعيات المسجّلة (الخيرية، الاجتماعية، الثقافية) اتجاهاً انحدارياً، فقد تراجعت من 596 في العام 1962 إلى 512 في العام 2000؛ والسبب هو أن الدولة دأبت باستمرار على الحد من دور الجمعيات، إذ اعتبرت نفسها السلطة الأساسية المسؤولة عن الرعاية الاقتصادية والاجتماعية.2

بحلول العام 2000، كان قد أصبح واضحاً أن الخدمات التي تُقدّمها الدولة لم تعد قادرة على تلبية احتياجات السكّان. فبين العامَين 1990 و2010، ازداد تعداد السكان بمعدّل الضعف تقريباً، من نحو 12 مليون نسمة إلى 21 مليوناً، ماتسبب بمفاقمة المصاعب الاقتصادية كالجفاف في منطقتَي الجزيرة وحوران الزراعيتين، والنزوح الداخلي من الأرياف إلى المدن، وبطالة الشباب.3 وكان إرساء التوازن بين الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية للبلاد يعتمد إلى حد كبير على العائدات من قطاع الطاقة، وهو مالم يعد ممكناً مع بدء تحوُّل سورية من دولة مصدِّرة للنفط إلى دولة مستورِدة له.4 وقد أقام النظام السوري، بين العامَين 1990 و2000، روابط وثيقة مع أثرياء وعائلات ميسورة في المدن.5 وتوسّعت هذه الروابط والترتيبات الزبائنية مع الكيانات الخاصة بين العامَين 2000 و2011، فشكّلت حجر الأساس للقطاع الخاص في سورية.6

تفاعل الأسد مع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بتبنّي سياسات نيوليبرالية، عبر تعزيز الخصخصة الاقتصادية وزيادة الانفتاح على الاستيراد.7 وفي السنوات اللاحقة، اقتصرت فوائد هذه السياسات على حفنة صغيرة من الأنسباء والموالين ورجال الأعمال المقرَّبين من النظام. كذلك، تخلّت الدولة عن المسؤولية الاجتماعية، فباتت أكثرية السكان تعاني من انعدام الأمن الاقتصادي والاجتماعي. وفي هذا السياق، ازدادت أعداد الجمعيات المسجّلة من 513 في العام 2000 إلى 1485 في العام 2009.

خلال هذه المرحلة، توسّع دور المؤسسات الدينية عن طريق التبادلات الاقتصادية والشبكات الاجتماعية. وتحقّق هذا الانتقال عبر إضفاء الطابع المهني على المضمار الديني، من خلال تطوير كادر من المناصب التخصصية؛ واستخدام مهنيين (عمّال اجتماعيين ومنسّقي مشاريع وعمّال ميدانيين)؛ والاستحواذ على مصادر تمويلية جديدة. وقد تحوّلت الجمعيات الخيرية من توزيع المساعدات القصيرة المدى نحو تأمين مدخول شهري أساسي، وتدريس مقررات لتنمية المهارات، ومحو الأمّية، وتوفير فرص وظيفية، ومنح قروض صغيرة، وحتى تأمين مساعدات دولية في مجالَي الإغاثة والمعونات الإنسانية.8 لقد وسّعت الشبكات الدينية امتدادها من خلال التبادلات المباشرة مع المجتمعات المحلية، والجهود الآيلة إلى تحقيق التنمية الاقتصادية المحلية. وعمد الأفرقاء الدينيون والكيانات الدينية إلى إعادة توزيع الثروات – بعدما تخلّت الدولة عن هذه المسؤولية – عبر جمع الأموال عن طريق التبرعات المحلية، أو الحصول على هبات من خلال الشبكات الخيرية وهيئات المانحين الدولية، ثم إعادة توزيعها على الأشخاص الذين يُصنَّفون في فئة المعوزين.9

طوال هذه المرحلة الانتقالية، غضّت الدولة الطرف عن نمو الجهات الدينية أو شجّعته بصورة مباشرة. يُشار في هذا الصدد إلى أن 7162 مسجداً من أصل 8731 لم تكن مسجَّلة لدى وزارة الأوقاف في العام 2007.10 هذه البيانات مصدرها الوزارة نفسها، ما يشي بأنها كانت على دراية تامة بالشبكات الدينية المتنامية وساهمت في تشجيعها. فقد نصّت عقود حكومية مباشرة عدّة (“عقود تشاركية”) صراحةً على نقل مسؤولية الخدمات التي تؤمّنها الدولة إلى عهدة المؤسسات الدينية الاجتماعية. وعلى الرغم من أن سياسات الدولة بدأت بالتحوّل في العام 2009 – نحو سيطرة حكومية أكبر وتقلُّص الحكم الذاتي في الميدان الديني – إلا أن الشبكات الدينية كانت قد حجزت لنفسها حضوراً واسعاً في الحقل العام.11

الزبائنية والمحاباة تُشجّعان المنافسة الداخلية

فيما كانت الدولة تنقل مسؤولية تأمين الخدمات إلى جهات أخرى، عمدت أيضاً إلى ترسيخ الترتيبات الزبائنية داخل الميدان الديني، عبر تشجيع المنافسة المحلية على الموارد واللجوء إلى المحاباة. فعلى سبيل المثال، كان عدد المنظمات المسيحية نسبةً إلى أعداد المسيحيين في سورية أكبر من عدد المنظمات الإسلامية نسبةً إلى أعداد المسلمين في البلاد.12 غير أن المنظمات المسيحية مُنِحَت هامش حرية أكبر في عملها، وأُتيح لها الوصول إلى موارد تمويلية لم تكن متوافرة للمنظمات المسلمة. هذا تجلّى في خلال تدفّق اللاجئين العراقيين إلى سورية بعد اندلاع التمرد والفتنة المذهبية في العراق اعتباراً من العام 2003. فقد سُمِح للكيانات المسيحية، على غرار بطريركية أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس، بالعمل بحرية أكبر بالمقارنة مع سائر الكيانات، حيث تمكّنت من التعاون مع العديد من الوكالات الإنسانية التابعة للأمم المتحدة والتي لم تكن مُدرَجة على قائمة المانحين الأجانب الذين يُسمَح لهم بالعمل في سورية. قد يُنظَر إلى هذا الأمر بأنه محاولة من جانب الدولة لإرساء توازن بين حصول الجمعيات الإسلامية على الأموال الخليجية ووصول المنظمات المسيحية إلى مصادر تمويلية أجنبية. إلا أن الكيانات المسيحية تمكّنت أيضاً من توفير مصادر تمويلية خاصة بشبكات مانحيها الدوليين، منها مجلس الكنائس العالمي، وخدمات الإغاثة الكاثوليكية، والهيئة اليسوعية لخدمة اللاجئين.

كذلك تجلّت الزبائنية والمحاباة التي تمارسها الدولة في ديناميكيات المنافسة المدينية مقابل المنافسة الريفية، وفي المنافسة بين شبكات البيت الواحد. ففي مدينة حلب مثلاً، نُقِلت المناصب الأساسية، مع مرور الوقت، من الشبكات الدينية التابعة لآل الشامي إلى الشبكات الدينية التابعة للمفتي العام للجمهورية العربية السورية أحمد بدر الدين حسون.13 وفي الثمانينيات، كان آل الشامي، الذين يتولون إدارة مسجد الكلتاوية ومعهده، يشغلون مناصب ومراكز دينية أساسية، وكانت لديهم قاعدة واسعة من المناصرين في الأرياف.14 وفي العام 1984، تولى صهيب الشامي، الذي كان آنذاك رئيساً لمديرية وزارة الأوقاف في حلب، وشقيقه، أنس الذي كان عضواً في مجلس النواب، الإشراف على إغلاق معهد الفرقان للعلوم الشرعية الذي أسّسه آل حسون. لكن مع مرور الوقت، نقلت الدولة تدريجاً المناصب الأساسية إلى الشبكات التابعة لحسون الذي أصبح عضواً في مجلس النواب في العام 1990، ثم مفتياً في العام 1999، ليتسلّم في العام 2005 منصب المفتي العام للجمهورية العربية السورية بموجب مرسوم رئاسي مباشر.15 وهكذا بدأت الشبكات الدينية في المدن والأرياف التنافس على مكافآت محدودة لايمكن الوصول إليها إلا عن طريق استدرار الحظوة لدى الدولة. ومع اتخاذ النزاع في سورية منحى عنفياً، ظلّ حسون الذي يدين بصعوده إلى النظام، من الحلفاء الأشد دعماً للأسد. أما الأخوان الشامي فقد غادرا سورية في العام 2012، ودُمِّر مسجد الكلتاوية في مدينة حلب على أيدي جماعات إسلامية متشدّدة. كذلك نُبِشَت رفات محمد النبهان، مؤسّس المعهد، وهُدِم ضريحه.

الشبكات الدينية تُوسِّع دورها في ظل ضمور الدولة

غادر كثرٌ من الشيوخ ورجال الدين سورية بعد العام 2011، تاركين الساحة خالية أمام عدد كبير من الأفرقاء الدينيين الجدد. وقد أنشأ الشتات الديني، إلى جانب هؤلاء الأفرقاء الجدد، كيانات على غرار المجلس الإسلامي السوري للحفاظ على رابط قوي مع الجاليات السورية. فالمجلس يتألف مثلاً من شخصيات دينية من داخل سورية وخارجها على السواء. وتضم منظمات اغترابية أخرى، على غرار رابطة العلماء السوريين، علماء دين إسلاميين غادروا سورية في أعقاب الاضطرابات في ثمانينيات القرن العشرين. وعلى الرغم من أن الرابطة منفصلة عن السياق السوري منذ عقود، إلا أنها بنت روابط وطيدة مع البلدات والمناطق السورية بعد العام 2011. على سبيل المثال، حصل محمد الصابوني، رئيس الرابطة في العام 2012، على السيطرة الكاملة على جهود الإغاثة الإنسانية في الأراضي المحتلة من التنظيم الثوري لواء التوحيد.16 كذلك غذّت الشبكات الراعية المتنافسة والعابرة للأوطان الانقسامات المحلية، من خلال قدرتها على الارتباط مع مصادر خاصة وعامة للتمويل، ولاسيما في منطقة الخليج.

على الصعيد الداخلي، رأت الفصائل المسلّحة، التي تتنافس على السيطرة المحلية، في الأفرقاء المستقلّين جهاتٍ منافِسة يجب إما إخضاعها وإما إلغاؤها. وقد حدّت فصائل بارزة من المبادرات المستقلة وأطلقت شبكاتها الدينية والقضائية والإنسانية الخاصة. مثلاً، حاول أئمة مستقلّون، اقتداءً بالمحامين والقضاة المستقلين في مجلس القضاء الحر المستقل، ملء الفراغ في الحوكمة المحلية، لكن في نهاية المطاف، استوعبتهم الفصائل المسلّحة أو همّشتهم.17

وهكذا أصبحت الشبكات الدينية التابعة للفصائل المسلّحة بمثابة أجهزة رديفة للحوكمة المحلية وأخذت على عاتقها توزيع المعونات، وتأمين الخدمات الاجتماعية، والتعليم، وإدارة المخابز، وتنظيم مخيمات اللاجئين، بالإضافة إلى وظائف مجتمعية أخرى. وترافقت هذه الخدمات الاجتماعية مع جهود واضحة لنشر العقيدة الدينية – مثلاً تعميم الحجاب، وتوزيع القرآن، وإدارة دور الأيتام (حيث تتمحور الحياة حول التعاليم الدينية وحفظ القرآن). يُشار هنا إلى أن تسعاً وأربعين جمعية (64 في المئة) من أصل سبع وسبعين جمعية اجتماعية وإنسانية جرى مسحها مؤخراً في المناطق الخاضعة إلى سيطرة المعارضة في محافظة حلب، هي عبارة عن كيانات دينية.18

وفي المناطق الخاضعة إلى سيطرة الحكومة أيضاً، حصل الأفرقاء الدينيون الذين اعتبرتهم الدولة جديرين بالثقة على امتيازات غير مسبوقة داخل مجتمعاتهم المحلية. فقد اضطلعت الكيانات الدينية بمهام منوطة بالبلديات – ولاسيما تلبيةً لاحتياجات الأقليات – بغية التعويض عن تفكّك هيكليات الدولة وخدماتها.19 وموّلت الكيانات الدينية مثلاً توزيع التيار الكهربائي من خلال مولّدات كهربائية مملوكة ومشغَّلة من جهات خاصة.20 فضلاً عن ذلك، حُفِرت آبار إرتوازية على مقربة من الكنائس لتوزيع المياه أو تأمين وصول السكان المحليين إليها، والتعويض عن الشح في الموارد المائية.21 كذلك أقام مانحون دوليون ومنظمات دولية ذات طابع ديني شراكات مع شبكات دينية محلية لتأمين التبرعات، والمساعدة من خلال توزيع القسائم الغذائية وتوفير الخدمات الطبية وشروط النظافة العامة، وبذل جهود على المستوى المعيشي وفي التعليم وإعادة الإعمار.22 وعليه، اضطلع الحقل الديني، في المناطق الخاضعة إلى سيطرة النظام والمعارضة على السواء، بدور أكثر أهمية في المجال العام، في حين شهدت الهيكليات التابعة للدولة والبلديات اندثاراً واسعاً.

على الرغم من أن النظام استعاد السيطرة على أجزاء من البلاد، إلا أن ممارساته في بعض المناطق تُظهر أن الدور الاقتصادي والاجتماعي الذي يؤدّيه الحقل الديني سيستمر. بعد استعادة الأسد السيطرة على مدينة حلب في العام 2016، اعتُبِر الأشخاص الذين أدّوا دوراً ما في الحوكمة المحلية في المناطق الخاضعة إلى سيطرة المعارضة، إرهابيين وطُرِدوا من المدينة، ماأدّى إلى القضاء على مختلف الهياكل المجتمعية والشبكات المحلية التي تمكّنت من البقاء والاستمرار في ظل سيطرة المعارضة. غير أن الحكومة بدأت، بحلول العام 2017، بالسماح للمؤسسات الدينية العامِلة في مناطق النظام بالعمل أيضاً في مناطق كانت خاضعة سابقاً إلى مجموعات المعارضة. وفي الوقت الراهن، تعمد هذه الكيانات المدعومة من الحكومة إلى إنشاء خدماتها الخيرية والطبية والتعليمية والاقتصادية فضلاً عن خدمات الرعاية، ماسيؤدّي إلى ظهور هيكليات مجتمعية وشبكات محلية جديدة.

القانون 31 يعزّز الوظيفة الاقتصادية للحقل الديني

يعتقد العديد من المراقبين أن القانون 31 يمثّل محاولة من الحكومة السورية لترسيخ سيطرتها على الشبكات الدينية في البلاد. وينصّ القانون الجديد على توسيع حضور وزارة الأوقاف وفريق عملها وتعزيز سلطاتهما؛ ويضع تعريفاً للنسخة “الصحيحة” للإسلام؛ ويُحدّد آليات التعيين في المناصب الدينية مثل منصب مفتي عام الجمهورية؛ ويُحدّد مهام المسؤولين الدينيين والحدود المفروضة عليهم ورواتبهم؛ ويُعيّن العقوبات التي تُطبَّق على هؤلاء المسؤولين في حال ارتكابهم انتهاكات. لكن التدقيق عن كثب في الوثيقة يميط اللثام عن أن الحكومة تسعى أيضاً إلى الإبقاء على الدور الاقتصادي والاجتماعي للوزارة وتعزيزه.

يتطرق الفصل الخامس من القانون 31 إلى الأنشطة الاقتصادية والمالية للوزارة. فهو يتضمن أحكاماً عدّة عن استعمال وتطوير الأراضي والممتلكات العائدة للوزارة التي تُعَدّ من أكبر مالكي الأراضي في البلاد. لكنه يمنحها، في الوقت نفسه، درجة أكبر من الاستقلال في موازنتها ومن الحكم الذاتي لجمع الأموال وتنظيمها بنفسها. ويُجيز للوزارة إنشاء شركات تجارية ومالية بهدف الحصول على التمويل. ويجوز لها أيضاً أن تُغيّر وجهة استعمال ممتلكاتها وأن تقوم بتطويرها لأغراض سكنية أو اقتصادية. وعلى هذا النحو، يتعامل القانون 31 مع الوزارة باعتبارها فريقاً اقتصادياً مهماً يضطلع بمهام إعادة التوزيع، بدلاً من التعاطي معها على أنها مجرد مؤسسة دينية.

ثمة سوابق على مستوى التبادلات والمعاملات التي ورد ذكرها في القانون الجديد. ففي شباط/فبراير 2017 مثلاً، قدّمت وزارة الأوقاف، بناءً على مرسوم رئاسي صادر عن الأسد، عقاراً مساحته 341 أكراً إلى وزارة الإدارة المحلية والبيئة التي نقلت بدورها ملكية العقار إلى السكان المحليين. يقع العقار المذكور في ضاحية الرميلة في مدينة جبلة الساحلية في طرطوس، حيث انتشرت، في خلال الأعوام الأربعين المنصرمة، المستوطنات غير النظامية.23 وقد وقّع كل من وزير الأوقاف ووزير الإدارة المحلية والبيئة على وثيقة تغيير الملكية بحضور وجهاء وأشخاص آخرين من المدينة. وصُوِّر نقل الملكية في خلال الفعاليات وكذلك في وسائل الإعلام، بأنه مبادرة للتبرّع إلى الأسر التي قدّمت تضحيات وناضلت من أجل البلاد. إذن، يستمر الحقل الديني الأوسع، تماشياً مع الدور المنوط بوزارة الأوقاف، في تأدية دور السلطة المسؤولة عن إعادة توزيع الثروات والممتلكات.

المضاعفات

أدّت الكيانات الدينية دوراً أساسياً في التخفيف من معاناة السوريين على امتداد النزاع. لكنها لعبت أيضاً، في معرض قيامها بهذا الدور، دوراً سياسياً مهماً. فقد تحوّلت المؤسسات الدينية، عبر التنافس على الأموال والموارد في فضاء متوارَث، إلى أدوات للتصدّي للتأثيرات الاقتصادية والاجتماعية المترتبة عن الحرب الدائرة في مناطق النظام والمعارضة على السواء.

ونظراً إلى أن الإمكانات الاقتصادية للدولة لاتزال ضعيفة، الأرجح أن يتواصل الاعتماد على الحقل الديني لأغراض اقتصادية اجتماعية، وستحافظ الشبكات الدينية، من جهتها، على دورها في المجال العام. وفي إطار هذا السيناريو، سوف تمارس السلطة والنفوذ الصاعدان للميدان الديني مزيداً من التأثير في العلاقات بين الدولة والمجتمع وفي الحياة اليومية. كما أن ذلك سيؤدّي إلى تشويش إضافي للخط الفاصل بين العمل الاجتماعي (الخدمات والأعمال الخيرية) والحراك الديني. ويؤدّي الأفرقاء الدينيون، من خلال المؤسسات الاجتماعية، دوراً تنظيمياً، بحيث يفرضون الشعائر والمظاهر الدينية، فيما يعملون على تحفيز التبادلات الاقتصادية والاجتماعية في مختلف أرجاء البلاد.

فيما لايزال من السابق لأوانه التكهّن بالمسار الذي سيسلكه الحقل الديني في سورية، من شأن إدارة الموارد وعملية إعادة الإعمار في البلاد أن تُشكّل مؤشراً موثوقاً عن نظرة النظام المستقبلية إلى دور هذا الحقل: فإما أن تستمر المؤسسات الدينية في أداء دور الشريك المحلي المعني بالتنفيذ، وإما سيتم تهميشها. لكن، وبغض النظر عن ذلك، سوف يُواصل النظام استخدام الموارد لتوطيد الترتيبات الزبائنية، ولاسيما في المدن. فلطالما أعطى هذا النظام، في مراحل النزاعات أو خارجها، الأولوية لتطوير المناطق المدينية الرئيسة، مثل دمشق وبعض المدن الساحلية. لذلك، غالب الظن أن الأفرقاء الدينيين في الأرياف والمدن الثانوية سوف يُحرَمون من أي فرصة للتطوّر أو النمو.

المصدر : مركز كارنيغي للدراسات

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

Loading...