الأكراد في الدراما السورية.!

في الغالب، ظلّت المسلسلات السوريّة الأكثر رواجاً في المجتمع الكُرديّ السوريّ، هي تلك التي ذُكِر فيها اسم مدينة كُرديّة، أو مرّت خلال إحدى حلقاتها موسيقى كُرديّة، وحتى ذلك كان نادراً؛ إذ لم يسبق أن صوّرَ مُسلسل سوريّ واحد في محافظة الحسكة وكوباني وعفرين.

في اعتقاد حكومة النظام السوريّ، إن الأكراد في سوريا والأقليات الأخرى، يشكّلون البيئة الأكثر خصوبة ليعيد بها إنتاجه، من بداية الثورة السوريّة، وما مسألة منح الجنسيّة وزج الأكراد ضمن الدراما السوريّة إلا من السيناريوات المؤسّسة لذلك. لكن، يظلّ ذلك استمراراً لعمليّة طمس الوجود الكُرديّ، وتحويره إلى انتقائية أبناء المدينة والريف، التي روّج لها النظام السوريّ منذ بدايّة الأحداث، مجموعة قرويّة تريد أخذ السلطة من المدينة، هكذا سوّق النظام الثورة السوريّة.

الثابت لدى النظام السوريّ أن تظلّ الصورة النمطية عن سوريا هي الثابتة، وألا تزيد هذه المثاليّة الحامية للأقليات حدّ التقليل من الاستعلاء المفروض من العاصمة إلى المدن الشرقيّة ومن القوميّة العربيّة إلى القوميات السوريّة الأخرى، وهو ما لا يساوم النظام السوريّ عليه، لعدم كسر هيبته والخروج عن المألوف لدى السوريين.

عدا ذلك، يسعى النظام السوريّ عبر الدراما، إلى التأثير على أزمة الانتماء والمظلوميّة لدى الأكراد، بمضامين عدة، أوّلها أنّ حالة الشتات الكُرديّ ورغبته بضمان حقّه، وصلتا به إلى التباهي والزهو بذكر اسم المدينة الكرديّة أو سماع الموسيقى الكرديّة أو لفظ كرديّ في مسلسل سوريّ ما، أيّ شيء يُمكن أن تقوله سوريا للأكراد: أنتم جزء من هذه البلاد.

على رغم أنّ أعداداً كبيرة من الأكراد شاركوا في تأسيس الدراما السوريّة والفن في سوريّا وعملوا فيه، منهم نهاد قلعي الخربوطلي، عبد الرحمن آل رشي، طلحت حمدي، خالد تاجا، منى واصف، لقمان ديركي، وغيرهم الكثير، إلا أنّه لم يسبق قبل الثورة السوريّة أن كان التوجيه السياسيّ يسمح باعتبار هؤلاء أكراداً في سوريا، وظلّت دلالات القوميّة العربيّة هي السائدة على شخصيات كل الفنانين، المخرجين، الكتّاب السوريين من القوميات الأخرى.

التوجيه السياسيّ، قبل الثورة السوريّة، كان يقدّم “الشوايا” السوريين على أنّهم اُناس غير حضاريين، وهمّهم الوحيد هو كيفية إنجاب الأطفال، قبل أن يحوّل هذه التوصيفات حاضراً إلى الأكراد.

هذه الصور النمطيّة ليست حديثة في سوريا، يُمكن أن يكون القالب الحاليّ لها مُختلفاً، ليس نحو الأكراد فقط، فالصورة النمطيّة الّتي تلقَيناها في المدرسة والجامعة والشارع في أنّ العلويين في سوريّا كلّهم من المُخابرات، في وقت كان علويون معتقلون في سجون الأسد الأب، والأكراد كلّهم كانوا إنفصاليين، والشوايا كلّهم متخلّفون ولا يفهمون الحضارة، وأهالي حماة كلّهم من الإخوان المُسلمين، هذا التنميط كان جزءاً من ثقافتنا الناشئة من المدرسة إلى الجامعة، حتى أن جزءاً منها صار من موروثنا الثقافي المؤسّس للطائفيّة والانتقائيّة والاستعلاء بين أبناء المحافظات السوريّة.

الآن، أخذ هذا التنميط شكلاً آخر، وبدأ التركيز على أن الأقليات هم الوجهة، بخاصة مع تناغم سياسيين من المُعارضة السوريّة مع النظام فيها، فالأكراد لا يجيدون التحدّث بالعربيّة على رغم سليم بركات، ولا يفهمون المدينة على رغم أنّهم من مؤسسي العاصمة دمشق وحلب، لتظلّ الصورة أنّ ثمّة قوميّة ثانية في هذه البلاد، لكن لا يحقّ لها أن تتدخل في شأن سياستها ودستورها ومسارها الثابت.

لا تعود الذهنيّة الّتي قدّمت الصورة النمطيّة عن الأكراد في الدراما السوريّة إلى فردٍ واحد كتبها، أو إلى مُخرجٍ، بل إلى ذائقة جمعيّة تؤمن بها شريحة واسعة من السوريين، أبناء العاصمة ومُحافظات الداخِل؛ حيثُ أنّ هذه الذائقة شاركت في صناعة الصورة، وحوّلتها إلى مشهدٍ دراميّ يحاكي واقعاً مزيّفاً عن الكُرد، وطبيعة عيشهم ودراستهم الجامعيّة. زِد على ذلك دور التوجيه السياسيّ الذي يقود نصوص معظم المُسلسلات السوريّة، والّتي كان لها الدور الرئيس في وجود مشاهد تُحاكي حقيقة أن وجوداً كرديّاً ما ضمنَ سوريا، لكن هذا الوجود يقتصر على فُقر الحال، وعدم الانتماء إلى المدينة.

المصدر : درج

همبرفان كوسه

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

Loading...