الغوطة وعفرين وإدلب.. لماذا يعيد النظام السورى خلط أوراق الصراع ميدانيا؟

فتح النظام السوري عدة جبهات عسكرية في توقيت متزامن خلال الفترة الماضية، شملت جبهتي الغوطة الشرقية وإدلب، بمساندة جوية روسية واضحة، بالإضافة إلى جبهة عفرين، التي تشهد حربًا ضروسًا بين تركيا عبر دعمها لقوات الجيش السوري الحر، وبين الأكراد السوريين وتحديدًا قوات حماية الشعب التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي السوري الكردي. التصعيد العسكري من قبل النظام السوري على هذه الجبهات الثلاث في توقيت متقارب يعني أن النظام يتجه إلى إعادة ترتيب أوراقه في مناطق الغرب والشمال الغربي والوسط السوري بأكملها؛ لإخراج كافة جيوب المعارضة السورية المسلحة من تلك المناطق استعدادًا لمرحلة أكثر تعقيدا في مسار الصراع السوري.

وترتبط عملية إعادة ترتيب النظام لمعاركه الميدانية بتوجيهات الراعي الروسي الذي يعيد بدوره ترتيب واقع مصالحه الميدانية في كافة مناطق “سوريا المفيدة” بعد دحر تنظيم الدولة، وبعد سلسة حوادث استهدفت الوجود الروسي منذ مطلع العام الجاري (2018) كالهجوم على قاعدتي حميميم الجوية، وطرطوس البحرية، ثم استهداف المقاتلة سوخوي 25 فوق إدلب من قبل عناصر معارضة تتبع جبهة تحرير الشام، ووصولا إلى استهداف القوات الأمريكية المتواجدة شرق نهر الفرات لميليشيات إيرانية مدعومة بمرتزقة روس حاولت الاقتراب من مناطق النفوذ الأمريكية في الشرق السوري وتحديدا في دير الزور، فضلا عن إعلان الولايات المتحدة بقاء قواتها في الشرق السوري حتى تحقيق عملية الانتقال السياسي في سوريا، وبلورة رؤية للتسوية تعيد فيها واشنطن صياغة دور مختلف للعملية التفاوضية وللأمم المتحدة.

وتستهدف موسكو من هذه المراجعات الميدانية، لاسيما في محيط العاصمة دمشق، إنهاء وجود أية عناصر للمعارضة السورية المسلحة بها، خاصة تلك التي ترفض أن تكون جزءا من اتفاقات مناطق خفض التصعيد، حيث تستثني هذه الاتفاقات كل من تنظيم الدولة وجبهة تحرير الشام “النصرة سابقا”، وهي الذريعة التي يتخذها النظام وروسيا لاستهداف باقي عناصر المعارضة، بل واستهداف المدنيين والمستشفيات والبنية التحتية والخدمات وتدمير كافة مقومات الحياة عبر سياسة الأرض المحروقة، والتي سبق وأن طبقها النظام وحليفه الروسي في حلب الشرقية، ويجري حاليا تطبيقها في الغوطة الشرقية.

أولا: دوافع التصعيد في المدن الثلاثة

إعادة موسكو ودمشق ترتيب أوراقهما الميدانية عبر استخدام القوة المفرطة في المناطق الممتدة من ريف دمشق عبر الغوطة الشرقية، ومرورا بشمال محافظة حمص، ووصولا لمناطق جنوب محافظة حماة، وكذلك في إدلب التي دخلت مناطق خفض التصعيد في سبتمبر 2017، له أسبابه، وله أبعاده ودلالاته السياسية التي تعبر في جزء كبير منها عن واقع حالة التفاهمات الثلاثية بين روسيا وإيران وتركيا بالرغم من بعض التباينات التي بدأت في الظهور نتيجة لتطورات الدور التركي من ناحية، والخلافات الروسية- الإيرانية من ناحية ثانية. وتتواجد بالغوطة الشرقية فصائل تابعة لجيش الإسلام وفيلق الرحمن وهيئة تحرير الشام التي تشكل جبهة النُصرة عمودها الفقري. مع ملاحظة أن كل من “فيلق الرحمن” و”جيش الإسلام” في الغوطة الشرقية التزما اتفاق خفض التصعيد في يوليو 2017، وبالتالي رفعا الغطاء عن جبهة تحرير الشام التي كان النظام يستهدفها من آن لآخر، لاسيما بعد رفضها الخروج من الغوطة خلال شهر من توقيع اتفاق خفض التصعيد.

في هذا السياق، يمكن تلخيص الأهداف الكامنة وراء توظيف كل من النظام وروسيا للقوة العسكرية بصورة مفرطة في الغوطة وإدلب، فضلا عن دخوله عفرين متجاهلا تحذيرات أنقرة باعتبار قواته هدفا لها حال تنسيقه مع الأكراد، في الأهداف التالية:

1- الأهمية الاستراتيجية التي تمثلها الغوطة الشرقية، والتي حاصرتها قوات النظام منذ مايو 2013، باعتبارها تمثل البوابة الجنوبية الشرقية للعاصمة دمشق، ومن ثم مدخل مهم لكافة مناطق “سوريا المفيدة”، ولقربها كذلك من مطار دمشق الدولي وأهميته العسكرية للنظام وحلفائه. أضف إلى ذلك إطلالها على ممر جوبر الذي يعتبر بوابة الغوطة الشرقية إلى العاصمة دمشق، ومنطقة تماس طوال سنوات الصراع بين قوات النظام وبين فصائل تابعة لقوات الجيش السوري الحر، ناهيك عن قربه (ممر جوير) من مناطق وسط العاصمة دمشق التي تتواجد بها مقرات عسكرية مهمة. كما أن إحكام النظام السيطرة على الغوطة الشرقية يمكنه من ضمان الطريق الذي يربط مطار دمشق الدولي بمناطق القلمون الغربي، حيث التواصل مع الحدود اللبنانية، وهو ما يفسر محاصرة قوات النظام لها منذ التاريخ المذكور.

2- استكمال سياسات التهجير القسري التي أتبعها النظام، بإيعاز من إيران، للحواضن الاجتماعية لعناصر المعارضة السورية المسلحة في العديد من المناطق، كأحد وسائله لإعادة رسم خريطة التوزيع الديموغرافي في مناطق سيطرة النظام، والتي تقوم على إحاطة العاصمة ومناطق الوسط والغرب والساحل السوري بحاضنة اجتماعية موالية للنظام من الناحيتين السياسية والمذهبية. ثمة رأي يقول بأن التصعيد العسكري المفرط الذي يمارسه النظام ضد الغوطة الشرقية، يماثل تصعيده على حلب الشرقية أواخر عام 2016، وأن السيناريو المتوقع يحاكي السيناريو الذي تم في حلب، ويقوم على ضغط النظام على المجتمع الدولي لدفعه إلى القبول بتنفيذ خطة تقضي بإجلاء سكان الغوطة الشرقية حقنا لدمائهم، مثلما حدث في حلب الشرقية حيث تم إجلاء سكانها إلى إدلب.

3- استباق الاجتماع الثلاثي المزمع عقده بين أطراف التفاهم الثلاثي روسيا وإيران وتركيا على مستوى الرؤساء خلال مارس 2018، للتأكيد على أهمية إعادة تفعيل مسار الأستانا الذي دخل حالة من الكمون بعد مساهمة جلسته السادسة في إدخال إدلب ضمن منطقة خفض التصعيد. إعادة تفعيل أستانا يأتي كمحاولة لرأب التداعيات الناتجة عن فشل مسار سوتشي في تقديم رؤية واضحة لتسوية محتملة، فضلا عن انتقاد الولايات المتحدة علنا لهذا المسار وإعادة تأكيدها على أهمية مسار جنيف باعتباره المسار الذي ترعاه الأمم المتحدة لا دولة منحازة لأحد أطراف الصراع. ولذلك ترغب موسكو في استباق جولات جنيف المقبلة بواقع ميداني جديد تفرضه هي وإيران في الغوطة وإدلب، وتفرضه تركيا في عفرين.

4- ما يسوقه النظام بأن الفصائل لم تلتزم باتفاق وقف التصعيد المعمول به في الغوطة، فلم يتم خروج مقاتلي “جبهة تحرير الشام” نحو الشمال حيث إدلب، فضلا عن تعويقها لاتفاق ضمنته فصائل فيلق الرحمن يقضي بخروج عدد من العناصر التي تنتمي للقاعدة من المدينة. هذا بخلاف تعمدها، وفقا لرواية النظام، التصعيد ضد قوات النظام التي تحاصر المدينة. بينما تروج المعارضة لرؤية مختلفة تقول بأن قوات النظام هي التي أعاقت عملية خروج مقاتلي “جبهة تحرير الشام”، حتى لا ينتفي سبب استهدافه المتواصل للغوطة الشرقية، التي تمثل آخر معاقل المعارضة المسلحة بالقرب من العاصمة دمشق. لاسيما وأنه نجح في حسم جميع معارك الغوطة الغربية وأبرزها معارك داريا والزبداني والقابون.

5- إدراك النظام أن تواجد بعض عناصر المعارضة المسلحة في الغوطة الشرقية يعد آخر أوراقها التي من الممكن توظيفها عسكريا وسياسيا. وبالتالي إنهاء هذا التواجد يجرد المعارضة من ورقة ضغط ميدانية عليه؛ نظرا لتهديدها المباشر للعاصمة ومؤسسات عسكرية حيوية. كما يقطع الطريق عليها في أية مفاوضات سياسية قادمة، لاسيما أن تواجدها بالقرب من العاصمة لا يشكل أهمية لدى باقي القوى الدولية والإقليمية المنخرطة في الصراع والمناوئة في الوقت نفسه للنظام؛ كالولايات المتحدة التي تعزز وجودها في مناطق الشرق، وتركيا التي يشغلها أمنها القومي في الشمال، ما يعني افتقاد المعارضة في هذه المنطقة لأي غطاء إقليمي ودولي، الأمر الذي سهل من مهمة النظام وحلفائه الروس والإيرانيين بشأن استهدافها في كافة أحياء الغوطة الشرقية.

6- استكمال النظام السوري لخريطة انتصاراته الميدانية “الأولية” التي حققها بمحافظة إدلب، باستعادته السيطرة على مطار أبو الظهور العسكري، وهو ما تم في 20 يناير الماضي، بعد أن كان خاضعا لفصائل المعارضة السورية. ورغبته في البدء بعملية عسكرية واسعة في المحافظة التي تعتبر أقوى وآخر تحصينات المعارضة المسلحة في سوريا، لكونها تضم كافة العناصر التي تم ترحيلها من حلب ومناطق خفض التصعيد الأربعة إليها.

7- نجاح الميليشيات الإيرانية المساندة لقوات النظام في السيطرة على نطاق جغرافي يمتد من جنوب إلى غرب حلب، وبالتالي الاقتراب بقوة من محافظة إدلب المتاخمة لحدود محافظة حلب، الأمر الذي مكنها من السيطرة على الطريق الدولي الواصل بين حلب والعاصمة دمشق. فضلا عن رغبة النظام في تقديم نفسه لروسيا كقوة قادرة على مواجهة المعارضة في إدلب بدلا من تركيا، التي حاولت مقايضة موسكو بشأن مواجهتها لهيئة تحرير الشام في المحافظة المذكورة، مقابل إطلاق يدها في عفرين. ويستهدف النظام بهذا الطرح قطع الطريق على تركيا للقيام بذلك.

8- استباق النظام السوري لسيناريوهات محتملة بشأن دخول قوات التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة، لمناطق شمال إدلب (جنوب عفرين التابعة لمحافظة حلب) كرد فعل على دخول تركيا لعفرين ومواجهتها لقوات سوريا الديمقراطية المدعومة أمريكيا. هذه الخطوة تحديدا ستخلط أوراق الصراع في إدلب؛ حيث سيضغط الوجود الأمريكي الكردي، في حالة اعتماد ذلك السيناريو، على الجيش التركي في عفرين. وبالرغم من أن ذلك سيخدم النظام السوري، إلا أن احتمالات المواجهة العسكرية بينه وبين الولايات المتحدة ستزداد وبقوة. ولعل هذا هو ما يجعل الولايات المتحدة تتحسب جيدا لخطوات تصعيدها ضد تركيا في عفرين، باعتبار أن ذلك سيصب في النهاية في مصلحة النظام السوري.

9- رغبة النظام السوري في تقويض التدخل التركي في عفرين، وتعقيد عملية “غصن الزيتون” التي بدأتها تركيا في يناير 2018، ولم تستطع حسم نتائجها حتى الآن. حيث تتقدم قوات النظام السوري نحو عفرين على استحياء، بناء على وساطات روسية وإيرانية، مخافة أن تتهور أنقرة وتستهدف قوات النظام السوري، بما يؤدي إلى تغيير قواعد الاشتباك في سوريا كلية، لاسيما بعد قيام تركيا بقصف مدفعي للطرق المحتمل مرور قوات النظام منها إلى عفرين. وهو أمر يزيد من الضغوط على روسيا التي لازالت راغبة في الحفاظ على حالة التوافق مع تركيا من ناحية، وحالة التفاهم بين تركيا وإيران من ناحية ثانية. لكن التفاهم الكردي مع النظام السوري زاد من تلك المخاوف؛ حيث أعلنت دمشق قبولها الطلب الكردي بدخول قواتها، وقوات المقاومة الشعبية لعفرين لمواجهة الجيش السوري الحر وتركيا على حد سواء، بالرغم من الأنباء التي تفيد بعدم موافقة روسيا على تلك الخطوة في الوقت الراهن، خاصة أن دخول ما يسميه النظام بقوات المقاومة الشعبية التي قوامها ميليشيات شيعية خالصة لعفرين، يعني مواجهة ضمنية بين إيران وتركيا بما يضر بمسارات التفاهم الروسية معهما.

10- ثمة رؤية مخالفة للنقطة السابقة تقول بـأن النظام السوري لن يستطيع الإقدام على دخول عفرين إلا بعد ضوء أخضر من حليفه الروسي، وأن الأخير يرغب في ذلك كنوع من الضغط على أنقرة بناء على نتائج الاجتماع بين الرئيس التركي رجب أردوغان وبين وزير الخارجية الأمريكي تيلرسون خلال زيارة الأخير للمنطقة مؤخرا، والتي قيل عنها أنها جاءت بنتائج إيجابية بشأن المخاوف التركية من الدعم الأمريكي لأكراد سوريا. وبالتالي، فإن استخدام روسيا لورقة النظام السوري في عفرين هدفها إعادة أنقرة إلى الفلك الروسي وقطع الطريق عليها للعودة لحلفائها القدامى. وهو ما يتماشى مع تصريحات خرجت من روسيا تقول بأن “مخاوف أنقرة يمكن معالجتها عبر حوار مباشر مع النظام السوري”. وبغض النظر عن صدقية أيا من التفسيرين المذكورين (هذه النقطة والسابقة عليها)، فإن دخول قوات النظام السوري لعفرين سيحقق له هدفين: الأول، قطع الطريق على تركيا لإقامة المنطقة العازلة بعمق 30 كيلومتر داخل عفرين، حماية لأمنها ولإعادة توطين اللاجئين السوريين المتواجدين في منطقة الحدود التركية. والثانى، جذب الأكراد بعيدا عن الحليف الأمريكي الذي تركهم في مواجهة تركيا دون دعم سياسي واضح.

ثانيا: دلالات التصعيد ونتائجه

سياقات التصعيد السوري/ الروسي للعمليات العسكرية في الغوطة وإدلب وعفرين، وفقا للدوافع والأسباب السابق عرضها، تحمل العديد من الدلالات والنتائج، نشير فيما يلي إلى أهمها:

1- استفادة روسيا من حالة بقاء تركيا والولايات المتحدة في مناطق نفوذ جغرافية واضحة داخل سوريا؛ الشمال بالنسبة للأولى، حيث أمنها القومي وتحديدا مناطق غرب الفرات، والشرق والشمال الشرقي بالنسبة للثانية، حيث آبار النفط والقواعد العسكرية. وهذا يعني عدم تمدد الأهداف الاستراتيجية لكليهما إلى مناطق السيطرة الروسية فيما يعرف بسوريا المفيدة (الساحل والغرب والوسط وإلى حد ما الجنوب). وبالتالي، فإن أنقرة وواشنطن لا يعنيهما تطور الأحداث في الغوطة الشرقية على اعتبار أنها ضمن منطقة النفوذ الخالصة لروسيا. الأمر الذي وفر على الأخيرة وجود ضغوط دولية قوية يُعتد بها، لاسيما من جانب دول تمتلك وجودا عسكريا بالداخل السوري، تستطيع توظيفه سياسيا وميدانيا. ويفسر ذلك أيضا حالة اللامبالاة الروسية بالنداءات الدولية الأممية والأوروبية بوقف مجازر الغوطة، بناءا على قرار دولي يقر هدنة لمدة ثلاثين يوما يتم خلالها إدخال المساعدات الإنسانية والطبية للمدنيين بها.

2- توسيع النظام السوري من مناطق سيطرته على كافة المناطق المحيطة بالعاصمة، وما يرتبط بذلك من توسيع مساحة سيطرة إيران داخل سوريا المفيدة أيضا. لاسيما أنه لم يعد بمقدورها الاقتراب من مناطق الشرق، حيث النفوذ الأمريكي، ولا حتى مناطق الجنوب التي باتت مرغمة على التراجع عنها لمسافة 60 كيلومترا كمنطقة عازلة بناء على دخول المتغير الإسرائيلي على معادلة الصراع السوري. ويعني ذلك بقاء إيران تابعة لتوجهات الحليف الروسي المسيطر على كافة مناطق سوريا المفيدة، إلا إذا رغبت طهران في القيام بمغامرة غير محسوبة بالتعاون مع النظام السوري مؤداها أن الحسم في الغوطة، وإخراج كافة عناصر المعارضة منها سيتبعه نقلة نوعية بالتوجه نحو الشرق السوري، حيث التواجد العسكري الأمريكي، على غرار التوجه السوري نحو عفرين حيث التواجد العسكري التركي.

3- فشل الرعاية الروسية لمناطق خفض التصعيد سواء في الغوطة أو إدلب، بل إن سلوك النظام السوري وإيران على الأرض أفرغ اتفاقات تلك المناطق من محتواها ومضمونها ميدانيا. وأسهم في مزيد من التوريط لروسيا في أتون حرب عسكرية تكاد تقترب من حروب الإبادة ضد السوريين. هذا التوريط السوري الإيراني لروسيا يستهدف استمرار إبقائهما على اشتعال حالة الحرب، ومنع روسيا من استكمال عملية سحب قواتها من سوريا بعد انتهاء حربها على تنظيم الدولة. وربما أسهم في ذلك سلوك القوى الدولية المناوئة لروسيا في قضايا التفاعل معها خارج النطاق السوري؛ كتعنت الولايات المتحدة وأوروبا في رفع العقوبات عنها، وتحديات الدرع الصاروخية للناتو في أوروبا الشرقية، فضلا عن التجاذب الروسي الأوروبي الأمريكي بشأن أوكرانيا.

4- انكشاف حالة الضعف العسكري الذي تعاني منه الفصائل الكردية في عفرين بالرغم من حالة الصمود التي تبديها في مواجهة تركيا؛ فلجوؤها إلى التواصل مع النظام السوري لمواجهة أنقرة يعكس حالة الاختلال الاستراتيجي في العلاقة بينها وبين الولايات المتحدة، ما يؤشر على تراجع حالة التحالف بينهما، والتي أفضت إلى القضاء على تنظيم الدولة في مناطق الشرق والشمال الشرقي السوري. أما في حالة مواجهة الأكراد لتركيا فإن حسابات واشنطن هنا ستختلف عن حساباتها بشأن مواجهة داعش، فلم يكن الأكراد سوى أداة لتحقيق المصالح الأمريكية في منبج والرقة ودير الزور، وهو ما أدركه الأكراد مؤخرا، بعد أن وجدوا أنفسهم في مواجهة أتون الحرب مع تركيا دون رعاية أمريكية يعتد بها.

الدوافع والدلالات السابقة لحالة التصعيد العسكري السوري على جبهات الغوطة وإدلب وعفرين تشير إلى أن ساحة الصراع في سوريا تتجه نحو مزيد من الاشتعال، وأن قواعد الاشتباك الميداني والسياسي آخذة في التبدل والتطور، ولا تقف عند حد التباينات بين النظام ومناوئيه فقط، بل أصبحت تلك التباينات حاكمة إلى حد كبير لسلوك حلفاء المعسكر الواحد. فالنظام يستفيد من تبايناته مع روسيا، ومن تباينات الأخيرة مع إيران، والثلاثة يمثلون تحالفًا واحدًا. كما أن السلوك التركي بات يضرب حالة التفاهم مع كل من روسيا وإيران، والثلاثة يضمنون اتفاقات الهدنة ومناطق خفض التصعيد. ويرجع ذلك كله إلى استمرار حالة “اختلاف المصالح” بين القوى الدولية والإقليمية قائمة كما هي حتى الآن من ناحية، ورغبة أطراف الصراع في استمرار هذه الحالة من ناحية ثانية، وتراجع حظوظ التوصل إلى تفاهمات وصفقات أمريكية- روسية يتم عبرها التوصل لتسوية سياسية للصراع، من ناحية ثالثة.

مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية – صافيناز محمد أحمد

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

Loading...