في أسباب ” الأحكام السلطانية ” ولا راهنيتها: صراع المدارس الثلاث: المقفع.. الماوردي.. الفارابي

لاشك أن منطقتنا العربية خصوصاً وإمتدادها الإسلامي عموماً، يمران بأصعب مرحلة من مراحل التطور الحضاري. فالزمن الذي بتنا نعيش فيه هو زمن الردة إلى الوراء، وليس أي وراء، وإنما إلى عصور قديمة، حيث من البديهي أن لا تستوي أحوال آناس عصرنا مع أحوال أناس ذلك العصر وتجربتهم ومعارفهم وإلى ماهنالك.

لا شك طبعاً أن هنالك عوامل عدة أدت إلى مثل هذا النكوص الحضاري الذي نعيشه، ولاشك أيضاً أن هنالك إجماع واضح على أن الإستبداد السياسي كان أول تلك العوامل، بحيث تراكمت على جوانبه عوامل أخرى، منها بالعموم عدم معالجة التراث الإسلامي للمنطقة معالجةً علمية، وكذلك عدم المواجهة الفكرية الواسعة مع الفكر الديني المتشدد الرجعي، إضافةً إلى أن من حاولوا التصدي للمواجهة الفكرية مع الفكر الديني المتشدد كانوا بالعموم من خارج دائرة رجال الدين وفقهاءه.

من هنا، يهم هذه المادة بالدرجة الأولى التعريف بإحدى مدارس التفكير السياسي الإسلامي القديم وأبرز صناع تراثه ، أي تماماً تلك المدرسة التي يرتكز عليها متشددو اليوم، ويحاولون تأصيل ممارستهم السياسية المعاصرة على صخرة هذا التراث.

يمكننا القول عموماً أن التفكير السياسي لدى المسلمين القدماء قد انقسم إلى ثلاث فئات ، وذلك بحسب الطبيعة الفكرية لمن تصدى لهذه المهمة وخلفيته. بمعنى أخر، إن من تحدثوا بالفكر السياسي من المسلمين القدماء هم إما قادمون من خلفية أدبية، وإما من خلفية دينية فقهية، وإما من خلفية فلسفية.

ويُعتبر إبن المقفع الممثل الأبرز للمدرسة الأولى يليه الجاحظ ، بينما يُعتبر الماوردي وفقهاء العصر العباسي الأوسط رواد المدرسة الثانية، في حين  يُعتبر الفارابي وابن خلدون ممثلي المدرسة الثالثة.

حقيقةً لاتهدف هذه المادة لمعالجة الفكر والتراث السياسيين عند أتباع المدرستين الأولى والثالثة، وإنما فقط عند أتباع المدرسة الثانية، وذلك لما لها من تأثير حاضر حتى اللحظة الراهنة. فمن المعروف أن عصرنا الذي يشهد نمواً للحركات الإسلامية الجهادية التكفيرية، ونكوصاً في التطور الحضاري للمجتمعات الإسلامية بسبب من قراءات محافظة وسلفية رجعية لمجمل الدين والتراث الإسلاميين ، بحيث تريد هذه الحركات فرض رأي واحد وتطبيق قراءة واحدة لمجمل علاقة الإنسان بالسلطة السياسية، ولطريقة الحكم و شكل الدولة. كل هذه الأمور في الواقع جعلت من الرجوع للمصادر الإسلامية القديمة في الحكم والدولة والسياسة ضرورة موضوعية وواجب راهني ، وذلك للرد على تلك الإدعاءات السلفية التكفيرية ، والمحافِظة غير التكفيرية، التي تدعي وجود نظرية سياسية إسلامية واحدة ، مستمدة من آس الدين الإسلامي أي القرآن ومن ثم الحديث وتالياً التجربة وتراثها خلال العصور الإسلامية الأولى. لذا، سنحاول فيمايلي تسليط الضوء على التنوع والإختلاف في الأراء ” السلطانية ” تحديداً فيما خص شكل الحكم ورأسه ودولته وشرعيته، بما يخدم تفنيد الرأي القائل بوجود نظرية حكم واحدة أوجدها الدين الإسلامي صالحة لكل زمان ومكان.

بدايةً، يُعتبر كتاب ” الأحكام السلطانية ” للبصري الماوردي بمثابة حجر الزاوية الذي استندت إليه مجمل الكتابات الإسلامية الفقهية في مجال التنظير السياسي للحكم والسلطة والدولة إلى يومنا هذا. وإلى جانب الماوردي وكتابه، هناك ثلة من الفقهاء بينهم الخطيب البغدادي وأبو يعلى الحنبلي و الباقلاني. ومايجمع هؤلاء الأربعة هو كونهم جميعاً ولدوا في مدن العراق، وجميعهم توفوا في بغداد زمن الخليفة القادر بالله ومن بعده ولده الخليفة القائم بأمر الله، وهو عصر الضعف الشديد للدولة العباسية.

من هنا، لم يكن غريباً أن يتصدى هؤلاء الأربعة للتنظير في الحكم والسلطة والدولة، أو الأحكام السلطانية بلغة ذاك العصر. لكن السؤال الرئيسي لماذا لم يوجد قبل هؤلاء كتابات إسلامية تعنى بالأحكام السلطانية؟ فمنذ دولة المدينة المنورة عام 622 ميلادي وحتى زمن الخليفة القائم بأمر الله نهاية القرن الحادي عشر، لا نجد أياً من فقهاء الدين قد كتب أو نظر حول مسألة السلطة والحكم ،أو ماسنعتاد على تسميته هنا أيضاً بالأحكام السلطانية، بهذا العمق والشمول والهوس. وأصلاً يبرز سؤال أهم من ذاك في هذا السياق، وهو لماذا أساساً يتصدى بعضهم للنظر في الأحكام السلطانية طالما أن هناك نص ديني مقدس؟ من المفترض أن يحوي إجابةٍ عن كل ذلك.

إن الإجابة عن هذين السؤالين تحيلنا فوراً إلى صلب الموضوع. فخلال أكثر من أربعة قرون (منذ دولة المدينة المنورة وحتى عصر الخليفة القائم بأمر الله العباسي عام 1075)  لم تواجه الدولة الإسلامية أية استحقاقات ذات ديمومة لها علاقة بوحدة الدولة والسلطة، اللهم إلا بعض الأحداث التي انتهت فوراً بغلبة فريق على أخر، مما حال دون وجود معضلة تؤرق الفقهاء. طبعاً، هذا عدا عن أن الصراعات التي شهدتها الدولة الإسلامية في تلك العصور قد كانت بين أبناء البيت القرشي ذاته. وباستثناء الصراع العباسي/الأموي على السلطة وقبله صراع علي ومعاوية، فإن أي صراع سابق أو لاحق لم يكن على مستوى هذا الإمتداد الجغرافي الكبير. وبين هذا وذاك، كان القرن الأول والقرن الثاني هما عصرا الإزدهار المادي والفكري والحضاري للدولة، مما حال أيضاّ دون وجود مشكلة سلطة ، وهو ما نلحظه من خلال وحدة الجيش والقوة العسكرية للدولة. ومع كل تلك العوامل، كان ماتعارف عليه المسلمون حول مفهوم الخلافة ومفهوم الرعية وتأصيلهما شرعياً وتاريخياً، أمران كافيان لم يستدعي العصر ومعطياته النظر في أبعد منهما. فما الذي إذاً حدث بعد ذلك؟

الذي حدث هو أن الدولة العباسية قد بدأت تشهد بداية عصر ضعفها، وهو العصر الذي يعرف لدى المؤرخين بالعصر العباسي الثاني، والذي يبدأ مع المتوكل بالله في عام 847 م وينتهي مع القادر بالله عام 1031. في هذا العصر ، وشيئاً فشيئاً، بدأت تضعف سلطة الخليفة العباسي في بغداد على الولاة والأقاليم، إلى أن انفرد معظمهم بولاياتهم خصوصاً البعيدة منها، ولا ننسى هنا أيضاً أن خلافة منافسة قد أعلنها الفاطميون في تونس ولاحقاً في القاهرة، هذا إضافةً إلى تغلغل العنصرين التركي والفارسي في سلطة الخليفة العباسي في بغداد ، والذي بات أسيراً لقادة الجند والوزراء خصوصاً أيضاً لسلطة الأمراء البويهيين والسلاطين السلاجقة في نهاية هذا العصر، أي العصر العباسي الثاني كما أشرنا. إن مجمل ماذكرناه قد أحال بغداد إلى مجرد عاصمة رمزية للدولة المترامية الأطراف، والخليفة إلى مجرد واجهة ينطبق عليه ماوصلت إليه الملكيات الأوربية في العصر الحديث: يملك ولا يحكم.

مع كل هذه المعطيات السياسية ومارافقها من انحطاط فكري، باتت الخلافة العباسية مهددة بوجودها خصوصاً في نهايات العصر الثاني، ومن هنا تماماً برزت الحاجة لبلورة نظرية في الحكم والسلطة والدولة تقطع الطريق أمام الطموحات البويهية والسلجوقية من جهة (أي التهديدات من داخل الدولة)، والطموحات الفاطمية من جهةٍ أخرى ( أي التهديد من خارج الدولة).

حقيقةً، كان الفقهاء يدركون ، وقبلهم الخلفاء، أن مواجهة هذين الخطرين لايمكن لها أن تكون دون الإستعانة بأيديولوجيا دينية واضحة. فطالما أن الخلافة هي من الدين، فيجب إذاً و قبل كل شئ التأكيد المستمر على جملة من الأمور، بحيث تمنع المتربصين بالدولة العباسية من تجاوزها مخافة إثارة سخط العامة من جهة ، والطعن بشرعيتها في حال تجرأت وحاولت القضاء على الدولة العباسية، من جهةٍ ثانية.

إذاً وكما نلاحظ، فإن الأسباب الداعية لبداية نشوء ظاهرة التأليف في أحوال الأحكام السلطانية، قد كانت ظروفاً تاريخيةً متغيرةً ومختلفةً عن الأحوال والمعطيات التي سادت في صدر الإسلام والقرنين اللاحقين. ومن خلال هذه المعطيات بالذات، حاول أعلام هذه المرحلة من فقهاء دينيين سد جميع الثغرات وسحب جميع الذرائع التي تهدد الخلافة ومكانتها في بغداد. ولا مفارقة هنا، إذ نعلم أن أعلام هذه المرحلة الأربعة ، وهم بالمناسبة أيضاً أبرز أعلام التأليف في الأحكام السلطانية، (الباقلاني المولود في البصرة عام 950 م والمتوفي في بغداد عام 1013 وهو من المذهب الأشعري- الماوردي المولود في البصرة عام 974م والمتوفي في بغداد عام 1058 وهو من أكبر فقهاء الشافعية – أبو يعلى الحنبلي المولود في بغداد عام 990 م والمتوفى فيها عام 1066 وهو قاضي الحنابلة في زمانه – الخطيب البغدادي المولود في بغداد عام 1002 م والمتوفي فيها عام 1071 وهو صاحب كتاب ” تاريخ بغداد”) كانوا جميعهم عرباً ولدوا في مدن العراق كما نوهنا أعلاه، وجميعهم توفوا في بغداد حاضرة دولة الخلافة كما نلاحظ. وقد كان هاجس حماية عاصمة الخلافة وسلطة الخليفة ، وإن الرمزية، دافعهم للتنظير الدقيق لمفهوم الخلافة ووجوبها وشروط توليها ، وطرق التولية وأهل الإختيار وغير ذلك الكثير. لكن المدهش، أن الفقهاء الأربعة ورغم كونهم مسكونين بهاجس واحد ، ورغم كونهم أبناء عصر واحد، ويعيشون في مدينة واحدة، إلا أن أراءهم تنوعت بخصوص تلك الأمور، لدرجة أنها أبانت عن حالة صحية وعقول خلاقة غير رجعية.

فبالنسبة للخلافة ووجوبها، فجميعهم أجمع على وجوبها، وذلك كي لا يَعتبر الأمراء البويهيون وغيرهم أن الخلافة هي أمر عابر وانقضى وقته أو يمكن استبداله. كما وأجمعوا على أن وجوبها هو وجوب بالشرع ، وذلك رداً على الإتجاه الفلسفي للمعتزلة السابقين عليهم والذين أوجبوها بالعقل. طبعاً رأي الفقهاء هنا ينسجم وطبيعة خلفيتهم الدينية، وإن يكن موقفهم غير متقدم على موقف المعتزلة الذين أوجبوها بالعقل. فالمتدين كان ينظر على أن وجوب الخلافة بالعقل يعني تحول الخلافة ومن ثم الدولة إلى أصحاب مهمة دنيوية، في حين أن وجوبها بالشرع يعني أن لهما مهمة سماوية لها علاقة برعاية الدين ونموه وقوته.

بعد التأكيد على وجوب الخلافة، ينتقل الفقهاء إلى طرق التولية، وهي عندهم موضع إجماع أيضاً بحيث قالوا بالإختيار وسيلةً لتنصيب الخليفة، وزادوا على ذلك بأنه يمكن للخليفة أن يعين ولياً للعهد يخلفه في منصبه. إن هذا الرأي الأخير هنا، وإن كان المراد منه إضفاء الشرعية على ماهو حاصل في الواقع منذ زمن معاوية، إلا أنه أتى مخالفاً لمبدأ الشورى ولمبدأ ترشيح الخليفة لشخصين أو أكثر، يختار منهما أهل الحل والعقد الأفضل بينهما، وهو ماذهب إليه أبو يعلى الحنبلي وبشكل خلاق. فخلافاً للباقلاني والماوردي والبغدادي، كان أبو يعلى أكثر حذراً ولم يعتبر العهد بالولاية عقد إمامة وخلافة، وإنما هو مجرد ترشيح ولأهل الإختيار الحرية في قبولها أو رفضها. هنا، واضح أننا نتلمس حذر أبو يعلى ومخاوفه من قيام الوزراء ورجال الجيش العجم الأقوياء بفرض ولي عهد على الخليفة يفرضه بدوره على الأمة، ولذلك ذهب في مذهبه ورأيه هذا، معتبراً عهد الولاية مجرد ترشيح ، لأهل الحل والعقد رفضه أو قبوله.

أما أهل الإختيار ، أو أهل الحل والعقد، فقد وضع الفقهاء شروطاً متعددة لهم، على أن فرقاً بيناً ظهر مابين الماوردي والباقلاني. ففي الوقت الذي اعتبر فيه الماوردي العدالة إحدى الصفات التي يجب أن يتمتع به أهل الإختيار، تجاهل الباقلاني هذا الشرط ولم يشر إليه. وأما عن عدد أهل الإختيار ، فهناك تباين كبير بين الفقهاء في ذلك، وكلٌ استند إلى التراث التاريخي في رأيه، فترجح رأيهم بين ثلاثة وخمسة وستة. إلى ذلك، فقد أجمع الفقهاء الأربعة على أن مهمة إختيار الخليفة الجديد هي مهمة خاصة بأهل العاصمة ، وأن أهل الحل والعقد يجب أن يكونوا من سكان العاصمة لا من غيرها، وطبعاً هذا مايتنافى والعصر الحديث.

أما الخليفة والشروط التي يجب أن يتمتع بها، فقد أجمع الفقهاء على أنه يجب أن يكون قرشياً (وهذا ينسف بطبيعة الحال كل شرعية الخلافة العثمانية لاحقاً) وعلى أن يتمتع بالحزم والقوة والبأس والصحة البدنية الممتازة (وهذه الأخيرة يؤكد عليها الماوردي أكثر من غيره) ، هذا إضافةً إلى شرط مهم أخر وهو ضرورة تمتعه بالعلم ، إلا أنه جرى تباين بينهم حول مرتبة هذا العلم. ففي الوقت الذي أشار فيه كل من الباقلاني وأبو يعلى الحنبلي على أن العلم الذي يجب أن يتمتع به الخليفة يجب أن يصل لمرتبة من يصلح أن يكون قاضياً، فإن الماوردي ذهب أبعد من ذلك معتبراً أن الخليفة يجب أن يتمتع بالعلم الذي يقوده إلى ” الإجتهاد ” في النوازل والأحكام. طبعاً ، وكما نلاحظ، فإن شرط العلم ودرجاته بين منزلة القاضي ومنزلة المجتهد، لايتمتع بها أحد ممن يتزعمون اليوم التيارات الجهادية التكفيرية ، بل لعل جلهم لايصل إلى مرتبة التلميذ في أحد مساجد ذاك الزمن الغابر!

أما فيما خص وحدة الخلافة وتعددها، وهي إحدى أبرز دوافع التنظير الفقهي للأحكام السلطانية في العصر العباسي الثاني ومايليه، فقد إجتمع الفقهاء الأربعة على ضرورة وحدة الخلافة وعدم تعددها. فللدنيا خليفة واحد وخلافة واحدة، هذا على الرغم من أن الواقع الموضوعي في ذاك الزمن، كما في زمننا الحاضر، يخالف هذا التوجه. فمع القرن العاشر الميلادي كان هناك ثلاثة خلافات إسلامية هي: العباسية في بغداد، والأموية في الأندلس، والفاطمية في القاهرة. وبوجود هذا الواقع نكون أمام معضلات متعددة ، تتعلق بدايةً بنسف مفهوم الخلافة ووجوبها، وهو ماتحدثنا عنه أعلاه، كما وتتعلق بافتراض  وجود خلافة رابعة وخامسة وسادسة الخ، فطالما أن هناك خلافتان فإنه يجوز أن يوجد المزيد، وهو مايهدد وحدة الدولة العباسية ذاتها، خصوصاً مع اقتراب الخطر الفاطمي من جهة، ومع بروز الطموحين البويهي والسلجوقي للحلول مكان الخلافة العباسية أو أقله التواجد إلى جوارها كخلافة رابعة.

إذاً، وأمام كل هذه المعطيات والدوافع، إجتمع رأي الفقهاء الأربعة على ضرورة وحدة الخلافة وعدم تعددها، ضاربين عرض الحائط حقيقة وجود أكثر من خلافة في ذلك الوقت، لكنهم مثبتين بموقفهم هذا أكثر وأكثر شرعية الخلافة العباسية دون غيرها، وهذا أساساً ماكان مرادهم. إلا أنه هنا يظهر رأي خلاق ومبدع للفقيه البغدادي، والذي وحده فقط ودون أقرانه قد أجاز وجود خلافتين في الدنيا، منسجماً بذلك مع الواقع القائم لا معانداً له. فلقد أجاز البغدادي قيام خلافتين في ناحيتين متباعدتين، أو في بلدين بينهما بحرٌ يمتنع وإياه وصول أهل كل بلد من أبناء الأمة إلى البلد الأخر لنصرته ومساعدته.

تجدر الإشارة إلى أن ماذهب إليه البغدادي حول تجويز وجود خلافتين، قد كاد أن يصل إليه الماوردي ، أو بالأحرى وصل إليه لكنه امتنع عن قبوله، لما لذلك في رأيه من تعريض الدولة العباسية للتفتيت والتشتت أكثر وأكثر ، ومخافة فتح الأبواب على مصراعيها للأمراء والسلاطين للإنفراد بولاياتهم وتنصيب أنفسهم خلفاء فيها. فالماوردي كان يدرك أن هذه حقيقة قائمة، وأن الامراء والسلاطين في ولاياتهم لهم الكلمة الأولى والأخيرة ، وأن الخليفة في بغداد قد بات حقيقةً مجرد سلطة إسمية كالتي هي عليها ملكة بريطانيا هذه الأيام. إلا أن الماوردي، وكتفاعل مع الواقع القائم بطريقة أقل إبداعاً من البغدادي، لكنها تقابله في محاولة الإنسجام مع الواقع والظروف، قد أخذ ينظّر لما سماه ” ولاية الإستكفاء ” و  ” ولاية الإستيلاء “.

ففي إمارة الإستكفاء يفوض الخليفة سلفاً من يعينهم من الولاة في كل أمور ولاياتهم دون الرجوع إليه في الأمور الخاصة، وهو بذلك يضمن أن لا يثوروا عليه، أو يحيكوا المؤامرات ضده. أما في ولاية الإستيلاء، فيقوم الخليفة بإضفاء الشرعية على أمير أو سلطان لم يعينه، وإنما قام هذا الأمير أو ذاك السلطان بالإستيلاء على إمارة أو ولاية وخلع أميرها أو واليها المعين من الخليفة. في هذه الحالة ، يقول الماوردي، أن الأفضل حدوث تسوية وإن كانت خروجاً عن التقليد والتراث السابق، وليس مطلوباً هنا سوى أن يبادر الخليفة ويقوم بإضفاء الشرعية على الأمير المستولي، مقابل قيام هذا الأخير بالإعتراف بسلطة الخليفة العباسي باعتباره الحاكم الأعلى المطلق للدولة الإسلامية، ويقدم الولاء له.

نلاحظ من كل ما سبق ، أن مايسمى بالأحكام السلطانية ليست سوى اجتهادات فقهية، أي ليست نصاً مقدساً منزلاً، و من ذلك أنه لا وجود لسياسة واحدة، ولا لحلول سياسية واحدة للمشكلات القائمة والمتجددة في الواقع الموضوعي. ولو أردنا التوسع أكثر وأكثر في مجمل الأحكام السلطانية التي تشمل إلى جانب ماذكرنا، كل من: الحاكمية – الخروج على الحاكم- دار الإسلام ودار الكفر- درء المفاسد- البيعة-الشورى الخ، لرأينا إختلافاً وتنوعاً حول كل مسألة من تلك المسائل، بما يعكس حقيقة أنه لاوجود لـ ” أحكام سلطانية ” تقاس وترسم بالمسطرة، وصالحة لكل زمان ومكان. لقد رأينا في الإستعراض السابق أن كل من الباقلاني والماوردي و البغدادي وأبو يعلى (وهم أفضل وأشهر من كتب في الأحكام السلطانية عبر التاريخ)  كيف كانوا يحاولون بالعموم وفي الغالب توفيق الفكر مع الواقع القائم، وليس توفيق الواقع مع الفكر كما يحدث في أيامنا العصيبة هذه.

 إن هذه الفكرة الأخيرة تحيلنا للقول أن الفقهاء المذكورين أعلاه كانوا فقهاء خلاقين لا أتباع مقلدين، فقد تصدوا لمشكلات قائمة بحلول تناسب عصرهم، وأجازوا مالم يكن من المقبول جوازه قبل قرنين أو ثلاثة من زمانهم، فكيف ونحن اليوم بيننا وبينهم عشرة قرون، وبيننا وبين أسلافهم أربعة عشر قرناً !!

الرأي اليوم – نبراس دلول

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.