كيف تغتنم باريس الفرصة لتعزيز النفوذ في سوريا؟

أثار الهجوم التركي على عفرين السورية في إطار ما يعرف بعملية “غصن الزيتون” مخاوف عدة حول مستقبل تسوية الصراع السوري. فلم تكد مباحثات أستانة للسلام في سوريا، ومؤتمر الحوار الوطني السوري في مدينة سوتشي الروسية، أن ترسيا أسسًا متينة لإنهاء الصراع الدائر منذ ما يقرب من سبعة أعوام، حتى مثّل هجوم أنقرة (إحدى الدول الثلاث الرئيسية في مباحثات السلام) تقويضًا لمبدأ وقف إطلاق النار بين الأطراف المتنازعة.

وفي إطار اهتمامها المتصاعد بقضايا الشرق الأوسط، اتخذت فرنسا موقفًا حادًّا وحاسمًا إزاء هجوم تركيا على عفرين لقمع قوات سوريا الديمقراطية التي تهيمن عليها وحدات “حماية الشعب” الكردية المتهمة بتهديد الشريط الحدودي الجنوبي لتركيا. ولا يمكن تحليل موقف باريس من الهجوم دون الرجوع لأسباب إعادة اهتمامها بمنطقة الشرق الأوسط، وأخيرًا التعرف على مستقبل هذا الدور.

إعادة الاهتمام

ترتكز السياسة الخارجية الفرنسية في منطقة الشرق الأوسط على مبدأ هام منذ رئاسة “شارل ديجول”، قائم على فكرة خلق مسافة ومساحة تمايز بين السياسة الخارجية الفرنسية ونظيرتها الأمريكية للتعبير عن الاتجاه الاستقلالي الوطني للأولى. فطالما دعمت باريس حركات عدم الانحياز، وحاولت تشكيل متنفس للدول النامية الراغبة في الخروج عن فلك الولايات المتحدة أو الاتحاد السوفيتي السابق طوال فترة الحرب الباردة وما بعدها. فعلى سبيل المثال، أبعدت نفسها عن أي تدخل عسكري مباشر في صراعات الإقليم حتى تشكيل التحالف الدولي في ليبيا في عام 2011. كما دعمت ما يُسمى بالأنظمة الديجولية العربية (نظم وطنية تقدمية) على رأسها نظام صدام حسين في العراق، ورفضت الانضمام للتحالف الدولي في عام 2003 الذي أطاح بالرئيس العراقي.

لذا، يُعتبر انغماس الولايات المتحدة في شئون الشرق الأوسط مرادفًا لمحاولات فرنسية حثيثة للبعد عن مشكلات الإقليم؛ للحفاظ على الصورة الثقافية الأيقونية والسياسية المحايدة للدولة الفرنسية. وقد جاء ذلك بالتزامن مع المشكلات الاقتصادية المتصاعدة في الاتحاد الأوروبي إبان حكم “جاك شيراك” و” نيكولا ساركوزي” التي شغلت حيزًا كبيرًا من اهتمام الرؤساء الفرنسيين على حساب قضايا منطقة الشرق الأوسط.

لكن في عام 2011، ومع اضطلاع باريس بدور رئيسي في تكوين التحالف الدولي لمواجهة نظام “معمر القذافي” في ليبيا، بدأت فرنسا في استعادة دور حيوي وفعال في منطقة الشرق الأوسط وصل إلى حد التدخل العسكري المباشر في بعض الأقاليم.

وفي الأزمة السورية انتهجت فرنسا سياسة “منتصف الطريق” أو إمساك العصا من المنتصف، حيث حاولت ألا تُظهر عداء واضحًا لأي طرف من أطراف الأزمة طالما ظل أمنها الإقليمي في منأى عن الخطر. وفي العديد من المحافل أعلنت باريس أنها تخشى صعود نظام “إسلامي متطرف” للحكم يتزعمه تنظيم “داعش” و”جبهة النصرة” في سوريا، وفي الوقت ذاته تربأ بنفسها عن دعم نظام سلطوي فقد الكثير من شرعيته. لكن تصاعد موجات الإرهاب وانتشار الهجرة غير الشرعية وما تبعها من مشاكل خاصة باللاجئين جعل باريس في قلب المنطقة، بل وجعلها تظهر معارضة واضحة لبعض الدول. حيث دعت لاستبعاد إيران من مباحثات “جنيف 1″ و”جنيف 2” التي تُقام برعاية منظمة الأمم المتحدة، كما تنازلت عن مطالبات الرحيل الفوري لنظام “بشار الأسد” في 2015 بعد سيطرة “داعش” على إدلب وبعض المناطق الشمالية.

مكافحة الإرهاب

تمثل العنصر الحاسم الذي دفع فرنسا للدخول في خضم الأزمة السورية هو تصاعد نفوذ الحركات الإرهابية التي وصلت لقلب العاصمة باريس باستهداف مسرح الباتكلان في نوفمبر 2015، ونجاحها في ضم أعداد كبيرة من الفرنسيين للقتال في صفوف المتطرفين بالأراضي السورية. وقد أعلن الرئيس السابق ” فرانسوا هولاند” بنفسه هذا السبب بصفته عنصر التحول في السياسة الفرنسية في سوريا بعد 3 أيام من هجوم نوفمبر بقوله: “في سوريا، نحن نبحث دون كلل عن حل سياسي، حيث لا يشكل “بشار” المعضلة الأساسية، لكن عدونا الرئيسي هو تنظيم داعش”. هذا بالإضافة إلى رغبة فرنسا في اتخاذ مواقف واضحة للارتكاز على علاقات مميزة مع أهم الشركاء الإقليميين، وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية ومصر، مقارنة بعلاقات أكبر عددًا ولكن أكثر هشاشة في حالة اتباعها سياسة وسطية دون معالم واضحة.

ومن الجدير بالذكر أن اتجاهًا قويًّا من المفكرين في فرنسا يرى أن الإرهاب عامل هام في انخراط فرنسا في قضايا الشرق الأوسط ولكنه ليس العنصر الحاسم. ومن وجهة نظرهم، تشكل الحسابات الخاطئة للقادة السياسيين العامل الأساسي الذي دفع فرنسا للانخراط في أزمات الشرق الأوسط، ومن ثمّ دفعوا أوروبا لتحمل نفقات باهظة لحل تلك المشكلات. على كل حال، يرى أنصار هذا الاتجاه أن تكاليف إعادة إعمار بعض المناطق في سوريا ستكون أقل عبئًا من تكاليف وصول ملايين اللاجئين للأراضي الفرنسية والأوروبية وما ينتج عن ذلك من تصاعد للهجمات الإرهابية.

الموقف من “عفرين”

في ظل حرص فرنسا على استقرار الشمال السوري والعراقي -أكثر المناطق تصديرًا للإرهاب لأوروبا- فقد اتخذت الدبلوماسية الفرنسية تدابير حاسمة لمعارضة أي محاولة من أي طرف إقليمي أو دولي من شأنها زعزعة استقرار تلك المنطقة. فبدأت بدعم قوات سوريا الديمقراطية المدعومة أيضًا من الولايات المتحدة والتي حققت انتصارات هامة على تنظيم “داعش”، خاصة في محافظة الرقة. إلا أن تركيا وجدت في تنامي نفوذ قوات سوريا الديمقراطية صعودًا لتهديدات قوات حماية الشعب الكردية -أهم العناصر المشكلة لتحالف سوريا الديمقراطية- التي تعتبرها تركيا الذراع العسكري السوري لحزب العمال الكردستاني. فعملت على تطويق تلك القوات بضربة عسكرية في عفرين من جهة الشمال، بالإضافة لقواعدها العسكرية المنتشرة في إدلب في الجنوب، منعًا لأي محاولة للصعود الكردي الذي تعتبره تركيا أكبر خطر على أمنها القومي.

وكرد فعل سريع، قامت فرنسا بصفتها عضوًا دائمًا في مجلس الأمن بالدعوة لاجتماع طارئ للمجلس لبحث الهجوم التركي على عفرين. وردًّا على تحركات باريس، أعلن وزير الخارجية التركي أن قيام فرنسا بذلك يدل على وقوفها بجانب تنظيمات إرهابية في سوريا، ومن ثمّ تحتفظ تركيا بحقها في رد الفعل المناسب لردع تلك التحركات. وعلى الرغم من تلك التصريحات الحادة المتبادلة، لا نستطيع توصيف الموقف الفرنسي حتى اللحظة بالحاد أو الراديكالي مقارنة بالتحركات التركية في سوريا. ووفقًا للجنرال الفرنسي ” دومينيك ترينكان” (محلل استراتيجي وعسكري فرنسي) فإن عنف ردة الفعل التركية مبررة، خاصة وأن المشكلة تتعلق بأمن الحدود وهاجس الأكراد.

ودعوة فرنسا لانعقاد مجلس الأمن للتشاور لا تمثل أي إجراء عقابي بقدر ما تمثل محاولات جادة لمنع تصاعد القوة المسلحة مما يهدد عملية السلام، فباريس نفسها تعلم جيدًا أن الأكراد سيمثلون عنصر اضطراب في سوريا حتى في حالة الوصول لحل سياسي للصراع المعقد، فلدى الأكراد طموحات الاستقلال وتكوين دولة كردية غير مرتبطة ببقاء أو رحيل بشار من الحكم.

المعادلة الأكثر صعوبة -إذن- تكمن في تمديد النفوذ وتكوين التحالفات القادرة على إحداث استقرار طويل الأمد مع وجود سياسة واضحة تضمن لفرنسا الاحتفاظ بأهم الشركاء الإقليميين. ومن الجدير بالذكر أن موقف باريس يُعتبر قويًّا إزاء الموقف التركي، على اعتبار أن كثيرًا من الدول نددت بالهجوم الفردي، بالإضافة لوقوف فرنسا في صف باقي أعضاء حلف الناتو الرافضين لتحرك أحد أعضائه عسكريًّا بغير تنسيق كامل مع باقي الأعضاء.

مستقبل الدور

يمكن تلخيص الاستراتيجية الجديدة التي ستتبعها فرنسا في المستقبل -وفقًا لقراءة الحاضر- بمصطلح “انتهاز الفرص”. فستعتمد الإدارة الفرنسية على انتهاج سياسات واضحة وحاسمة في الأزمة السورية من أجل انتهاز فرص لكسب حلفاء جدد، كونها عضوًا دائمًا في مجلس الأمن وتتمتع بحق دعوة المجلس للانعقاد وفقًا للمادة السابعة من الميثاق، وهو ما يمنحها ثقلًا دوليًّا تستطيع به أن تكسب بعض الحلفاء الراغبين في تجريم بعض الأعمال المسلحة على الأراضي السورية دوليًّا.

انتهاز الفرص بالنسبة لفرنسا يخضع بالأساس للدور الروسي في سوريا وليس للفصائل المسلحة ولا حتى نظام بشار. فروسيا متواجدة عسكريًّا في سوريا منذ 2015، ومن غير المتصور أن تكون تركيا قد قامت بتلك التحركات في عفرين بدون موافقة من روسيا التي أبطلت بطاريات الصواريخ المضادة للطائرات للسماح للطيران التركي بالتحليق في الأجواء السورية. إذن يمثل الدور الروسي القيد الأساسي لمزيدٍ من التحركات الفرنسية الحرة التي من شأنها تعظيم نفوذها مع أطراف الصراع؛ إلا أن هذه الاستراتيجية ما هي إلا إعادة إنتاج للسياسة القديمة الهادفة لموازنة النفوذ الأمريكي وجذب الحلفاء بتوفير سياسة مستقلة عن السياسة الأمريكية.

أما فيما يتعلق بالوضع في سوريا، فمن المتوقع معارضتها لجهود روسيا لتسوية النزاع خارج إطار الأمم المتحدة على الرغم من إعلان “أنتونيو جوتيرس” (الأمين العام للأمم المتحدة) أن مؤتمر سوتشي قد أحرز تقدمًا محمودًا في مسارات تسوية الأزمة. كما سبق وأشرنا، فإن أي تسوية تتم برعاية روسية من شأنها إضعاف فرص فرنسا في الظهور في المشهد كفاعل استراتيجي حاسم في الأزمة مما يقلل من فرص تواجدها في الإقليم.

مركز المستقبل

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

Loading...