أردوغان أمام تقبل خسارة استنبول أو فقدان الشرعية

عندما فازت المعارضة التركية ببعض من كبرى البلديات في الانتخابات المحلية التي أجريت في الحادي والثلاثين من مارس، أعلن كثير من المحللين انتصار الديمقراطية التركية.

لقد أظهرت الانتخابات أن المعارضة نظمت صفوفها بشكل أفضل بكثير من ذي قبل وأن الناخبين لا يزالون يشاركون بقوة في التصويت. كما بينت أنه لا يزال بإمكان المعارضة أن تفوز بمناصب سياسية كبيرة من خلال الانتخابات، وإن كان حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يحاول تغيير نتائج الانتخابات في إسطنبول.

غير أن الخبراء يقولون إن الانتخابات وحدها لا تساوي الديمقراطية، وإن تركيا لم تشهد ديمقراطية حقيقية منذ سنوات. ويتفق معظم الخبراء على أن البلاد تقع ضمن فئة هجينة بين الديمقراطية والاستبداد التام تعرف باسم السلطوية التنافسية.

وعلى عكس الأنظمة الاستبدادية في دول مثل الصين أو كوريا الشمالية، فإن الأنظمة السلطوية التنافسية مثل صربيا والمجر وسنغافورة بها أحزاب معارضة مستقلة وانتخابات تخلو بصفة عامة من التزوير الواسع النطاق، ولكنها لا تتيح فرص منافسة متكافئة لجميع الأطراف التي تخوضها.

ويوضح بيرك أسين من جامعة بيلكنت في أنقرة، والذي كتب عن السلطوية التنافسية في تركيا، قائلا: “لديكم نظام سلطوي. مؤسسات الدولة تخضع لسيطرة الحزب الحاكم، لكن الانتخابات ما زالت تنافسية إلى حد ما. فالمعارضة لا تزال تحظى بفرصة للفوز بالسباقات الانتخابية، سواء على الصعيد الوطني أو المحلي”.

وقال قره بكر آق قويونلو، خبير السياسة المقارنة في جامعة ساو باولو، إن تركيا خرجت من دائرة الديمقراطية في 2015، حين رُفضت نتائج الانتخابات من الأساس للمرة الأولى منذ أول انتخابات حقيقية تشهدها البلاد في العام 1950.

فبعد أن أسفرت الانتخابات البرلمانية التي أجريت في شهر يونيو عن فقدان حزب العدالة والتنمية لأغلبيته وعجزه عن تشكيل ائتلاف حكومي، رفض أردوغان السماح للمعارضة بتشكيل حكومة. وبدلا من ذلك، دعا أردوغان إلى إجراء انتخابات جديدة في شهر نوفمبر، وأذكى النعرة القومية لكسب مزيد من الأصوات.

وقال آق قويونلو لموقع “أحوال تركية” إن العملية لم تكن مخالفة للقانون من الناحية الفنية، لكنها “كانت تتعارض تماما مع روح الديمقراطية”.

بيد أن الديمقراطية في تركيا كانت مشوبة بكثير من العيوب حتى قبل العام 2015.

كان أول زعيم منتخب ديمقراطيا، وهو الرجل القوي عدنان مندريس، رجلا شعبويا مؤيدا لمبدأ نظام الأغلبية، والذي يولع أردوغان بمقارنة نفسه به. لكن مندريس، الذي بدأ مشوار الحكم باعتباره محاربا ديمقراطيا يواجه السلطوية، لم يشعر قط بالأمان في منصبه. وفي غضون سنوات قليلة من انتخابه، بدأ يغلق الصحف ويسجن الصحفيين ويقمع معارضيه السياسيين.

جرى إعدام مندريس بعد الإطاحة به في انقلاب عسكري في العام 1960، وهو ما أذن ببدء عهد ما يعرف باسم “الديمقراطية الوصائية”، التي يُسمح فيها لحكومات مدنية منتخبة ديمقراطيا بممارسة الحكم ولكن تبقى المؤسسة العسكرية صاحبة القول الفصل في كثير من القضايا المهمة.

تمت صياغة الدستور التقدمي في أعقاب الانقلاب بشكل يهدف للحماية من شطط الأغلبية، حيث جرى تأسيس محكمة دستورية ومجلس شيوخ وتعزيز حرية الصحافة والحقوق المدنية. غير أنه أسس أيضا مجلس الأمن القومي الذي أضفى الطابع المؤسسي على النفوذ السياسي للجيش وازداد قوة مع الانقلابات اللاحقة في الأعوام 1971 و1980 و1997.

وفي العام 2002، تولى حزب العدالة والتنمية الذي حظي بشعبية زمام السلطة بعدما خاض الانتخابات بمرشحين من شتى الأطياف وبرنامج إصلاحي يتطلع للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وسرعان ما بدأ الحزب في تعزيز سيطرته على الحكم، وتمكن من إقصاء الجيش بشكل كامل تقريبا عن الشؤون المدنية بحلول العام 2010. ومن ثم بدأ الحزب عهدا جديدا من السلطوية المدنية الانتخابية، فيما يشير إليه البعض باسم “الديمقراطية التفويضية”. ولم يلبث حزب العدالة والتنمية أن بسط سيطرته على المؤسسات بما فيها القضاء والإعلام.

ويقول آق قويونلو إن سلطوية أردوغان مستمرة على نفس المنوال الذي ساد في الماضي، ولكن مع بعض الاختلافات.

وأوضح قائلا: “هيمنة حزب العدالة والتنمية، على عكس الجنرالات، تستند إلى نجاحه المستمر في الانتخابات. فقدر كبير من خطابهم وشرعيتهم مستمد من صندوق الاقتراع… ذلك أمر جيد حين تفوز في الانتخابات، ولكن ماذا يحدث عندما تبدأ في خسارتها؟”.

وعلى غرار مندريس في خمسينات القرن العشرين، لم يشعر أردوغان قط بالأمان في سدة السلطة، وخصوصا بعد الأحداث الثلاثة الكبرى التي جرت في العام 2013، وهي احتجاجات غيزي الحاشدة المناوئة للحكومة في يونيو، والانقلاب العسكري في مصر في يوليو وما تبعه من تضييق للخناق على جماعة الإخوان المسلمين، والشقاق المرير مع شركاء أردوغان السابقين في حركة غولن الذي بلغ ذروته في شهر ديسمبر.

وقال آق قويونلو: “أعتقد أن هذه التحديات الثلاثة غرست شعورا عميقا بانعدام الأمن الوجودي، ودفعته (أردوغان) وحاشيته إلى الاعتقاد بأن أي خطوة للوراء هي بمثابة بداية النهاية. لذا أعتقد أنه لا يمكنهم تقاسم السلطة أو التخلي عنها بشكل فعال وهو ما يجعل الديمقراطية واهية”.

وأضاف أن أردوغان وزملاءه يخشون الآن عواقب قانونية كبيرة لما تردد ارتكابه من مخالفات هائلة إذا تمت الإطاحة بهم.

وتابع: “ذلك يخلق حلقة مفرغة من انعدام الأمن الوجودي، وتصبح السياسة لعبة محصلتها صفر. ومن ثم، إما تهيمن أو يُقضى عليك”.

يرى آق قويونلو أنه حين خسر الحزب أغلبيته في الانتخابات التي جرت في شهر يونيو من العام 2015، كان الممكن أن تكون هذه بداية سقوطه، لكن أردوغان رفض قبولها، وبدأ في استخدام مزيد من القمع من أجل التشبث بالسلطة، منتقلا من نظام الديمقراطية التفويضية السلطوية إلى نظام السلطوية التنافسية غير الديمقراطية.

والآن، وفي ظل عدم قبول نتائج الانتخابات المحلية في إسطنبول على ما يبدو، يخطو أردوغان خطوة أبعد من تلك التي اتخذها في 2015، “من خلال اختلاق المبررات في الواقع لإلغاء الانتخابات”، وفقا لما ذكره آق قويونلو.

ولعل من أخطر موروثات عهد حزب العدالة والتنمية هو أن الأتراك بدأوا يفقدون ثقتهم في الانتخابات للمرة الأولى منذ العام 1950، بعد التشوهات الكبيرة التي شابت الانتخابات وقمع الناخبين بل والتزوير المحتمل على غرار ما شهدته الانتخابات المحلية في أنقرة في العام 2014.

وكان استفتاء 2017 على النظام الرئاسي الجديد، والذي أصدر فيه المجلس الأعلى للانتخابات قرارا في اللحظة الأخيرة بقبول ما يصل إلى 2.5 مليون ورقة اقتراع غير مختومة، بمثابة المرة الأولى التي ترفض فيها أحزاب المعارضة قبول شرعية ونتائج التصويت. وقال آق قويونلو: “ذلك الإحساس الزاحف بعدم الثقة في النظام الانتخابي قد بلغ عنان السماء، وتلك مشكلة كبرى للديمقراطية”.

وقال أسين إنه لو ألغى أردوغان نتائج الانتخابات في إسطنبول حقا، فإن نظام السلطوية التنافسية قد يخطو خطوة جديدة نحو نظام استبداد شبه كامل.

وأضاف أسين: “لكي يلغي أردوغان (نتائج) الانتخابات في إسطنبول، سيتطلب منه الأمر أن يتجاوز حدود هذه السلطوية التنافسية إلى استبداد أكثر هيمنة من النوع الذي نراه في فنزويلا أو روسيا. غير أن ذلك له ثمن ضخم، إذ سيخسر آخر جزء من شرعيته، وهو ذلك المستمد من صندوق الاقتراع”.

وأشار أسين إلى أن من المرجح أن يتمخض ذلك عن حدوث مزيد من التقلبات في أسواق المال، وإثارة رد فعل سلبي من الشركاء الغربيين، وإصابة حزبه وأنصاره بخيبة الأمل.

لهذا السبب، تظهر الأنظمة الاستبدادية المهيمنة عادة في الدول الغنية بالموارد، لا في دول مثل تركيا تعتمد اعتمادا كليا على التجارة الدولية والاستثمار، وهو ما يعتمد بدوره على الاستقرار والعلاقات الخارجية الجيدة.

وقد سارع آق قويونلو للإشارة إلى أن الانتخابات في تركيا لا تزال شرعية إلى حد كبير، وأن الأتراك لديهم “غريزة ديمقراطية” قوية جدا تفسر السبب في مشاركتهم في الانتخابات بواحد من أعلى معدلات الإقبال في العالم.

ويقول: “ربما يكونوا مدركين لحقيقة أنها منافسة غير عادلة، وأنه قد يكون هناك تلاعب، لكنهم لا يزالون يعتبرون الانتخابات وسيلة يمكنهم من خلالها التعبير عن آرائهم. بإمكانهم الوقوف في وجه من يتولى السلطة أيا كان. وقد فعلوا ذلك إبان فترة الوصاية في مواجهة الجيش، ويفعلون ذلك مجددا في مواجهة حزب العدالة والتنمية”.

وأضاف آق قويونلو أنه ينبغي لحزب العدالة والتنمية الآن أن يسأل نفسه سؤالا واحدا، ألا وهو: “أي الضررين أشد – خسارة إسطنبول أم خسارة الشرعية الانتخابية؟”.

المصدر : أحوال تركية

نيك اشدون

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

Loading...