الانسحاب الأميركي والفوضى التي سيخلفها وراءه

في تقرير أعده مراسل صحيفة “لوس أنجليس تايمز” نبيه بولص تحدث فيه عن تداعيات فوضوية لقرار الرئيس دونالد ترامب على محاربة الإرهاب في سوريا ومصير المدنيين. وبدأ تقريره بالإشارة إلى تغريدة ترامب الشهر الماضي، عن هزيمة تنظيم “الدولة” كمبرر لخروج القوات الأمريكية من سوريا. وهو قرار فاجأ حلفاء الولايات المتحدة وأعداءها وحتى المسؤولين الكبار في إدارته الذين تساءلوا عما سيحدث حالة خرجت كل القوات الأمريكية من سوريا. وفي هذا الأسبوع أضاف الرئيس ترامب تشويشا في مونولوغ “ذاهل” وصف فيه سوريا بأنها “صحراء وموت” وتجنب الحديث عن الوقت الذي سينهي فيه إجلاء الجنود الأمريكيين من سوريا.
فمع وجود الكثير من القوى المتحفزة للقتال في المنطقة فمحو الآثار الأمريكية سيكون مهمة حساسة. ولو تم الخروج بطريقة متعجلة فقد سيقود للفوضى بشكل يمنح الجهاديين التابعين لتنظيم الدولة مساحة للتجنيد ومصادر للعودة والقتال. ويقول أرون لوند، الخبير في سوريا في مؤسسة القرن الأمريكية “لو افترضنا أن هناك انسحاب أمريكي فكل الأطراف تريد عملية تسليم للمهام بطريقة نظيفة ومنظمة” والسؤال هو إن كانت هناك إمكانية لتنفيذ هذا؟ والسؤال الثاني والمهم يتعلق بمصير 1.3 مليون مدني في شمال-شرق سوريا منهم مليون نازح من مناطق الحرب وموزعون على مخيمات ومساكن غير معترف بها في وقت تتسابق فيه تركيا وحلفاؤها والنظام السوري وحلفاؤه الإيرانيون والروس على السلطة. ويقول ويلغ دينيك، المتحدث باسم فرع الشرق الأوسط من “ميرسي كورب” “الحاجة واضحة ونقوم بتوزيع المساعدات الغذائية والمياه الصالحة للشرب وتأمين الملاجئ والحاجيات الأساسية لـ 40.000 شخص شهريا”، مشيرا إلى أن معظم سكان المنطقة لا يستطيعون إصلاح بيوتهم التي تضررت بسبب الحرب. ويتحدث التقرير عن المشاركة الأمريكية المترددة في الحرب السورية التي بدأت كتظاهرات سلمية تطورت لنزاع مسلح. وتغير الموقف في معركة كوباني التي واجه فيه المقاتلون الأكراد مقاتلو تنظيم الدولة. ورأت واشنطن في المقاتلين الأكراد المعروف بقوات حماية الشعب أو واي بي جي وسيلة فاعلة لقتال تنظيم الدولة. وضخت الدعم المالي والعسكري إلى الوحدات التي شكلت تحت مظلة “قوات سوريا الديمقراطية” لمنحها وجها شاملا يضم أكراد وعربا. وقدمت الولايات المتحدة الغطاء الجوي وبنت قواتا حجمها ما بين 60.000 – 75.000 مقاتلا حسب بعض التقديرات. ويسيطر الأكراد الآن على ثلث سوريا في جيب يضم عددا من القوات العسكرية الامريكية والمطارات العسكرية ومناطق المراقبة. وفي نفس الوقت طبق الأكراد أجهزة دولة قائمة بالفعل وتم دعمها بمئات الملايين من الدولارات الأمريكية والدعم الخارجي وعمال الإغاثة الذين يقدمون الدعم والخدمات لمئات الألاف من المدنيين. ولو غادرت القوات الأمريكية فستترك ساحة مزدحمة، فتركيا التي تعتبر قوات حماية الشعب فرعا إرهابيا لحزب العمال الكردستاني تقوم مع قوات المعارضة بحشد قواتها. أما نظام بشار الأسد المدعوم من روسيا فقد تعهد بفرض سيطرته على كل شبر من أرض سوريا. ويبدو أن النظام على حافة تحقيق صفقة مع أكراد شمال- شرق سوريا. ثم هناك تنظيم الدولة الذي هزم ولم يدمر نهائيا. وفي محادثة الشهر الماضي بين ترامب والرئيس رجب طيب أردوغان بدا وكأن الرئيس يسلم مهمة قتال الجهاديين لتركيا، وهذا يعني نهاية وحدات حماية الشعب. ورد الأكراد بدعوة قوات النظام إلى دخول بلدة منبج، وبث إعلام النظام السوري يوم الخميس تقريرا عن تسليم مئات المقاتلين الأكراد مناطق فيها لقوات النظام. وقال ترامب يوم الخميس إنه يريد حماية الأتراك “ولكنني لا أريد البقاء في سوريا للأبد فهي صحراء وموت”. وهذا يعني السماح للأكراد الاحتفاظ بالأسلحة الأمريكية التي زودوا بها كجزء من حزمة دعم مخصصة لقوات سوريا الديمقراطية عام 2019 وبقيمة 550 مليون دولار أمريكي، وتشمل على رشاشات وصواريخ مضادة للطائرات وعربات مصفحة وقنابل هاون. وخطوة كهذه ستغضب تركيا، العضو في الناتو والتي تخشى من استخدام السلاح الأمريكي ضدها. وهي تطالب واشنطن بجمع المعدات. وجهود كهذه عادة ما انتهت بطريقة فاشلة، ففي برامج الدعم السابقة للمعارضة السورية وصلت الأسلحة الأمريكية إلى الجهاديين الذين من المفترض استخدامها ضدهم. وانتهى البعض الآخر إلى إدلب في شمال- غرب سوريا” وتساؤل لوند عن عبثية جمع الأسلحة من المقاتلين الأكراد وماذا ولو رفضوا تسليمها، فبدون هذه الأسلحة فإن التحالف الهش بين الميليشيات المتعددة سينهار. وقال إن توقف قوات سوريا الديمقراطية عن مهاجمة ما تبقى من تنظيم الدولة فسيحصل هذا على حياة جديدة وسينتعش في الفوضى. وهناك خطر آخر يتعلق بأكثر من 3.500 معتقل لتنظيم الدولة في أيدي قوات سوريا الديمقراطية منهم مئات من المقاتلين الأجانب. وساعدت تركيا في احتجازهم وبدون الحماية وانشغال الأكراد في مواجهة تركيا فمن الصعب احتواؤهم. ويقول عبد الكريم عمر، مسؤول الشؤون الخارجية في الإدارة الكردية بشمال- شرق سوريا إنه لا توجد خططهم لتسليمهم إلى النظام أو أي طرف آخر. ولكنه حذر من فرارهم حالة واجه الأكراد هجوما تركيا. وقال إن وجودهم في منطقة غير مستقرة يشكل خطرا و “لا نستطيع تحمل المسؤولية وحدنا وهذا واحد من تداعيات تنظيم “الدولة”. وأضاف أن مواجهة التنظيم تمت بتنسيق مع المجتمع الدولي ويجب التعامل مع مسألة السجناء بنفس الطريقة. وتعمل 80 منظمة محلية ودولية مدعومة من الولايات المتحدة وحلفائها في دعم المدنيين وإعادة تأهيلهم في قراهم المدمرة. وأدى الخوف من الانسحاب الأمريكي ببعض المنظمات لتعليق أعمال الإغاثة.

المصدر : القدس العربي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

Loading...