حراك الخرائط والتحالفات فـي الشـمــال الســــوري

لا تستطيع دمشق التعويل كثيراً على حليفتيها الكبرتين، وهي تستعد لمواجهة أوسع عملية «تورط» تركية ميدانية وسياسية في الأزمة السورية في مستهل العام 2019 … لكل من موسكو وطهران حسابات ومصالح مع أنقرة، تتخطى الجغرافيا السورية، إلى الإقليم والساحة الدولية … والدولتان كلتاهما، لن تفرطا بالعلاقة الاقتصادية والتجارية والنفطية مع دولة بحجم تركيا، وفي هذا التوقيت بالذات، حيث تواجهان مروحة واسعة من العقوبات الأمريكية، وتنحدر علاقاتهما بواشنطن إلى أسفل درك… والدولتان كلتاهما، ستبذلان أقصى جهدهما لقطع الطريق على التكتيك الأمريكي الرامي الى إعادة أنقرة إلى «بيت الطاعة» الأمريكي.
لكن الدولتين في المقابل، لن تتركا دمشق، وهي تقترب من تسطير الفصل الأخير من أزمتها الممتدة لثمانية أعوام، لقمة صائغة لحسابات تركيا و»حساسياتها» في الشمال السوري، سيما وأنهما تدركان تمام الإدراك، أن لتركيا حسابات تتخطى «محاربة الإرهاب» إلى محاولة خلق «مجال حيوي» لنفوذها الإقليمي، سياسياً وأمنياً واقتصادياً، يؤهلها للعب دور الضامن لعدم قيام كردي الآن أو في المستقبل، ويمكنها من الحضور بقوة على مائدة البحث والقرار عندما يتعلق الأمر بمستقبل سوريا وطبيعة نظامها السياسي الجديد والقوى المُشكِلةِ له.
ستجري قريباً، محاولة لـ»ترميم» العلاقات الداخلية بين أطراف «الثلاثي الضامن» لمسار أستانا، بعد أن أصابها القرار الأمريكي بالانسحاب من سوريا ببعض الاهتزاز، وستحاول موسكو وطهران، لجم الاندفاعة التركية قدر الإمكان، وستوظفان حالة الإرباك والتردد التي تسيطر على الموقف الأمريكي بعد قرار الانسحاب، لإثارة مخاوف أنقرة من جديد، وستحاولان إقناع الرئيس التركي بأن أفضل ضمانة لعدم قيام كردي مستقل، والحيلولة دون بقاء وحدات الحماية وقوات سوريا الديمقراطية، هي عودة الجيش السوري للانتشار عل امتداد الحدود مع تركيا.
لكن ذلك لن يكون كافياً لثني «الشريك التركي» عن مساعيه الرامية لخلق «مجاله الحيوي» في الشمال السوري، وإن كانت – قد – تفلح في تقليصها والحد منها بعض الشيء، وتحويلها إلى «شريط أمني»، تتولاه ميلشيات سورية محسوبة على أنقرة وتابعة لها، وبما يشكل ملاذاً لعودة أعداد من اللاجئين السوريين في تركيا، وسيكون ذلك مقبولاً من قبل موسكو وإيران، شريطة أن يكون «مغلفاً» بعبارات تشدد على التزام الأطراف الثلاثة بوحدة سوريا وسيادتها واستقلالها؟!
دمشق التي تظهر عزمها على بسط سيطرتها على كافة الأراضي السورية، ليست بوارد تحويل «التباين» مع الشركاء إلى «شرخ» في جدران هذا التحالف «المنتصر» في حرب السنوات الثماني، وهي ستعتمد أسلوب «التدرج» و»المرحلية» في تحقيق أهدافها الأبعد مدى، مستفيدة في ذلك من تطورين اثنين: الأول؛ هبوط سقف طموحات الحركة الكردية بعد «الخذلان» الذي أصابها جراء قرار ترامب أو «تغريدته» بالانسحاب من سوريا، وبما يمكنها من استعادة سيطرتها على «روج آفا»، تحت جنح المصالحات والتسويات … والثاني؛ تدشين «موسم الحجيج إلى دمشق» من قبل عواصم عربية طالما ناصبتها أشد العداء، وهي عواصم تشتهر وتشترك في مواقفها المناهضة للمشروع التركي في المنطقة، إلى جانب عدائها المعروف للمشروع الإيراني كذلك … وسيتعزز هذا الموقف السوري إن شهد العام الجديد، عودة الروح للعلاقات بين دمشق وكل من القاهرة والرياض وهو أمرٌ لم يعد مستبعداً، إن لم نقل أنه بات مرجحاً.
كما أن موقف دمشق مع حلفائها، سيتعزز أكثر، كلما واصلت تركيا «مماطلتها» في ترجمة وتنفيذ «تفاهمات سوتشي» حول إدلب، فعودة النصرة إلى صدارة الأحداث مجدداً، بل ونجاحها في توسيع وتعزيز مناطق سيطرتها ونفوذها في أرياف حلب الغربية تحت سمع وبصر القوات التركية و»نقاط المراقبة»، من شأنه أن يقرع أكثر من ناقوس إنذار في موسكو وطهران، ويعيد تذكيرهما بالحاجة للمضي في حربهما على «النصرة» وحليفاتها من المنظمات «الجهادية» الأخرى، بتركيا أو من دونها.

المصدر: الدستور 

عريب الرنتاوي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

Loading...