الارتباك التركي جراء المواقف الامريكية الغامضة تجاه سوريا

تعكس الفجوة بين اعلان الرئيس الامريكي عبر تغريدة، عن قراره بسحب القوات الامريكية من سوريا،وتداعيات هذا القرار بجملة الاستقالات في المستويين العسكري والسياسي الامريكي،والتصريحات الامريكية اللاحقة التي تشير الى ان الانسحاب سيكون على مراحل من جهة،ودون “تصفير” التاثير والوجود الامريكي بالملف السوري،حجم الارتباك الامريكي في التعامل مع الملف السوري،وبصورة اوحت ان المستويين السياسي والعسكري حول ترامب، يحاول”لملمة” تداعيات تصريحاته، والتي جاءت في سياقات ان معالجاته للملف السوري،تاتي بعد القرارات الخاطئة للادارة الامريكية السابقة ،بقيادة “اوباما”.

من هنا يمكن تفسير الزيارتين اللتين يقوم بهما كل من وزير الخارجية”بومبيو” ومستشار الامن القومي” بولتون” الى المنطقة، وخاصة زيارة بولتون التي يفترض ان تشمل اسرائيل وتركيا، في اشارة الى ان المهمة الاولى للزيارة مرتبطة بالملف السوري وتداعيات الانسحاب الامريكي العسكري من سوريا،وفي اطار ثلاثة محاور رئيسية، وهي:

الاول: تهدئة المخاوف الاسرائيلية من تداعيات الانسحاب الامريكي واستثماره من قبل ايران وحزب الله اللبناني، بما يفضي للتعامل مع هذا الانسحاب باعتباره جاء لصالح ايران، وهو ما يفسر تصريحات “بولتون”قبل وصوله الى اسرائيل بان امريكا لن تسمح لايران بمواصلة ان تكون مهددا لاسرائيل، وانها على استعداد لتوجيه ضربات”موجعة” للاسد في حال استخدام الاسلحة الكيماوية.

الثاني: تهدئة مخاوف الاكراد ،الذين ينظرون للانسحاب الامريكي باعتباره “خيانة “للالتزامهم بالتحالف مع امريكا، وتحديدا في مواحجهة تنظيم داعش،وهو ما دفع باوساط امريكية لتاكيد استمرار الالتزام الامريكي بالتحالف معهم ،بالتاكيد على احتفاظهم بجزء من اسلحتهم، التي تلقوها عيبر مساعدات امريكية.

الثالث:الاجابة على تساؤلات الاتراك، الذين يستشعرون حجم الورطة التي وقعوا فيها،خاصة بعد التصريحات الامريكية من جهة، ودخول قوات الجيش السوري الى منبج باتفاق مع قوات “قسد”، ونوايا لتسليم مناطق الشمال السوري ل”احمد الجربا” غير المحسوب على تركيا،وانفتاح عربي على “النظام السوري” وهو ما يدفع تركيا لطرح تساؤلات حول حقيقة ما تريده امريكا،واسباب اصرارها على دعم الاكراد في شمال سوريا،بحجة استمرار الارهاب في المنطقة رغم اضعافه،وهو ما يجعل مباحثات “بولتون” مع انقرة في غاية التعقيد، ومؤكد انه لن يقدم لانقرة تطمينات كافية ،تخفف من حدة هواجسها، وتحديدا في ظل التمسك الامريكي بدعم الاكراد ،والاصرار على احتفاظهم باسلحتهم،وهو ما يعتبر خطا احمر بالنسبة لانقرة.

زيارة “بولتون” تؤكد حقيقة مهمة وهي ان الانسحاب العسكري الامريكي من سوريا لم يعد مؤكدا، في ظل ثوابت امريكية ،بضمان الالتزام بامن اسرائيل امام التهديدات الايرانية،مع استمرار التهديد الايراني ، الذي يتعرض لضربات مركزة من قبل اسرائيل ،واستمرار دعم الاكراد بما ذلك الدفاع عن احتفاظهم باسلحتهم الامريكية،وهو ما يعيد العلاقة مع تركيا الى المربعات الاولى ،ومن الواضح ان الطرف الخاسر، والاكثر ارتباكا جراء السياسة الامريكية هو الطرف التركي، الذي لم يتسرع بالاستجابة والتكيف مع الانسحاب الامريكي،باحتفاظه بعلاقات متوازنة مع حلفائه في استانا”ايران وروسيا” بالتاكيد على مواصلة العمل تحت عنوان مواجهة الارهاب في سوريا، رغم ان المكاسب السورية مع الحليفين الايراني والروسي،لم تلمسها انقرة.

ويبدو ان التطورات التي يشهدها ريف ادلب وريف حلب الغربي ،بسيطرة تحرير الشام “جبهة النصرة” على تلك المناطق، بعد معارك مع فصائل اسلامية اخرى”نور الدين زنكي” وتعرض هذه المناطق لقصف الطيران الروسي، غير بعيد عن تداعيات اعلان الانسحاب الامريكي من سوريا،ودخول قوات الجيش السوري الى منبج،باتفاق مع الاكراد،خلافا لما كان يتطلع اليه الاتراك،وربما تحمل رسائل تركية، بالاوراق التي تمتلكها في الشمال السوري،غير ان هذه الاوراق تثير حفيظة حلفاء استانا كما تثير حفيظة امريكا، وهو ما يطرح تساؤلات حول امكانية صمود الاتفاق التركي الروسي” الهش” حول ادلب،خاصة وان الضغوط الامريكية والغربية، التي حالت دون هجوم “سوري ايراني” وبغطاء روسي،على ادلب اصبحت اقل حدة، وهو ما يطرح تساؤلات حول احتمالات ان تقدم تركيا تنازلات للحلف الروسي الايراني، للتخفيف من خسائرها جراء تفاعلها مع السياسات الامريكية.

مؤكد ان زيارة “بولتون” ستتضمن تطمينات والتزاما امريكيا تجاه امن اسرائيل وتهدئة مخاوفها من الانسحاب، وبصورة اقل ستصل هذه التطمينات للاكراد في سوريا، لكن انقرة ستكون الوحيدة التي سيزداد ارتباكها بعد الزيارة، لان جوهرها لا يحقق من وجهة نظر انقرة المطالب التركية بحدودها الدنيا.

المصدر : الرأي اليوم

عمر الردّاد

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

Loading...