مزيد من التعقيد ينتظر تركيا في شمال شرق سوريا

يزداد الوضع في المنطقة الشمالية الشرقية من سوريا تعقيدا يوما بعد يوم.

فتركيا ما زالت تصر على إقامة منطقة آمنة في شرق نهر الفرات تخضع لسيطرة الجيش التركي وحده دون غيره. لكن ميزان القوى في المنطقة شديد الحساسية، لدرجة أن أيا من الأطراف الفاعلة فيها لا يجرؤ على المساس به والإخلال بتوازنه.

أما الولايات المتحدة فلا تريد إبعاد تركيا، ومن ثم تحاول إقناع الأكراد بإشراك أنقرة في خطة من شأنها أن تبقي شمال شرق سوريا خارج نطاق سيطرة دمشق.

لم يتوقف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في خطاباته العامة عن تكرار كلمات أغنية تركية تقول “قد نأتي فجأة في ليلة ما”، في إشارة إلى عملية عسكرية في شمال سوريا.

وقد اعتُبر ذلك جزءا من حملة تهدف إلى جذب المزيد من الأصوات للجناح القومي لحزب العدالة والتنمية الحاكم وشريكه حزب الحركة القومية المنتمي لليمين المتطرف في الانتخابات المحلية التي أجريت في الحادي والثلاثين من مارس. والآن، لا نزال ننتظر لنرى ما إذا كان أردوغان سيكرر كلمات الأغنية نفسها من جديد ولاسيما ان معركة الانتخابات انتهت.

ودائما ما عارضت الولايات المتحدة المزيد من التوغلات التركية في سوريا. فقد قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية روبرت بالادينو في بيان إن وزير الخارجية مايك بومبيو “عبر عن دعمه للمفاوضات الجارية (مع تركيا) بخصوص شمال شرق سوريا، في حين حذر من العواقب المدمرة المحتملة لأي عمل تركي أحادي الجانب في المنطقة”.

وفي الآونة الأخيرة، ثمة دلائل ظهرت تشير إلى أن واشنطن تزداد إدراكا للمخاوف الأمنية المشروعة التي تنتاب تركيا؛ فقد بدأت في بذل جهود رامية لإقناع الأكراد بقبول نشر عدد محدود من القوات التركية في شرق نهر الفرات وحتى الحدود العراقية. وتفضل الولايات المتحدة دخول القوات التركية إلى سوريا سلميا بدلا من شن حملة عسكرية.

وقال جيمس جيفري المبعوث الرئاسي الخاص للتحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) إن أنقرة وواشنطن لا تزالان تعكفان على وضع إطار عمل للمنطقة الآمنة. وفسر المحللون الأتراك ذلك بأنه تغيير في الموقف الأميركي تجاه موقف تركيا، لكن لم يتضح بعد ما إذا كان الأمر لا يعدو أن يكون ضربا من التمني.

صحيح أن الأكراد يعارضون بشدة أي توغل تركي في الأراضي السورية، لكن ليس من السهل على الكرد أن يقاوموا الضغط الأميركي ويتخلوا عن التعاون مع واشنطن التي تزودهم بإمدادات لا حدود لها من المعدات والأسلحة والذخيرة والدعم السياسي. وعلى الرغم من ذلك، إذا تجاوز الضغط الأميركي الخط الأحمر عند الأكراد، فإنهم قد يتجهون إلى الرئيس بشار الأسد لطلب المساعدة، وهو السيناريو الذي تقاومه واشنطن بكل قوة.

وتضطر واشنطن لمراعاة الحساسيات التركية أيضا، لأنها لا تريد أن تخسر تركيا لصالح روسيا وتزعزع التضامن والتضافر بين أعضاء حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وخصوصا في الوقت الراهن الذي تخضع فيه مسألة شراء تركيا لمنظومة الدفاع الجوي الروسية إس-400 لنقاش محموم.

إن روسيا من بين الأطراف الفاعلة التي تدعم القضية الكردية بقوة. علاوة على ذلك، تعارض موسكو أيضا الوجود العسكري التركي في سوريا، غير أنها لا تريد المبالغة في اللعب بهذه الورقة، لأنها لا تود أن توقف عملية تدهور العلاقات التركية مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي.

ولعل من بين المسائل الحساسة التي تلقي بظلالها على العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة ذلك الحظر الوشيك الذي قررت واشنطن فرضه على شراء النفط من إيران. وكانت تركيا من بين ثماني دول جرى إعفاؤها حتى الثاني من مايو من الحظر المفروض على استيراد النفط من إيران، لكن الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقع قانونا يلغي هذا الإعفاء.

وقال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو: “لن تخدم العقوبات السلام والاستقرار في المنطقة. ترفض تركيا فرض العقوبات الأحادية الجانب وممارسة الضغوط بشأن طريقة تنظيم علاقاتنا مع جيراننا”. بيد أنه أحجم عن ذكر ما إذا كانت تركيا ستلتزم بالعقوبات، لأنه على الرغم من تلك الكلمات الرنانة، هبطت واردات النفط من إيران إلى الصفر في شهر نوفمبر من العام الماضي، وظلت في ديسمبر دون السقف المسموح به بموجب الإعفاء من العقوبات.

ولقد أعلن تنظيم الدولة الإسلامية مسؤوليته عن الهجوم الانتحاري الذي أسفر عن مقتل أربعة جنود أميركيين في مدينة منبج بشمال سوريا في شهر يناير، وكذلك عن التفجيرات التي هزت سريلانكا الأسبوع الماضي وأودت بحياة ما يربو على 250 شخصا، مما يشير إلى أن التهديد الذي يشكله التنظيم الجهادي المتطرف لم يُقض عليه بعد. وهذه الحقيقة ربما تغير خطط الولايات المتحدة للانسحاب من سوريا، وتدفع واشنطن لإعطاء أولوية أكبر للتعاون مع الأكراد السوريين.

المصدر : أحوال تركية

يشار ياكش

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

Loading...