بنادق الهيئة تفرض الإنقاذ المفخخ على إدلب

لم يكن غياب توقيع فيلق الشام عن الاتفاق الذي جرى بين الجبهة الوطنية للتحرير وهيئة تحرير الشام مستغرباً، إذ لم تكن مشاركة الفيلق في المعارك التي خاضتها فصائل في «الجبهة الوطنية» ضد الهيئة (النصرة سابقاً) تتوافق مع قدراته القتالية الفعلية، وهو الفصيل الأكبر بين فصائل الجبهة، والذي اقتصرت مشاركته على بعض الكتائب الصغيرة، فيما كانت الهيئة تبتلع «حلفاءه» الآخرين وتُخضعهم.

والاتفاق المذكور هو اتفاق بين الجبهة والهيئة، مثّلَ الجبهة فيه قيادة فصيلي أحرار الشام وصقور الشام، ويقضي بوقف إطلاق النار وتسليم إدارة «المنطقة» لـ «حكومة الإنقاذ».

وبهذا الاتفاق، تكون معظم الفصائل في إدلب وريفها وريف حلب الغربي، أو ما بقي منها بالأحرى، قد اعترفت أخيراً بإدارة حكومة الإنقاذ، التي كانت قد تشكلت أواخر العام 2017 بعد مؤتمر أدارت ترتيباته ومخرجاته هيئة تحرير الشام، وبذلك تكون الهيئة قد امتلكت رسمياً ورقة إدلب من الداخل بشكل شبه تام، بشراكة الصمت الذي مارسه الفيلق -المدعوم تركياً- خلال الأسابيع الماضية، والتي أتاحت لقوات الهيئة إنهاء فصيل الزنكي في ريف حلب الغربي والسيطرة على معاقله، ومن ثم التوجه لإنهاء فصيليّ أحرار الشام وصقور الشام، اللذين تجنبّا الاستئصال الكامل بتوقيع اتفاق «استسلام» فجر اليوم العاشر من كانون الثاني 2019. إلا أن هذا لن يعني بالضرورة تراجع الهيئة تماماً عن استهداف قياديتيهما، أو تخلّيها فعلاً عن الدخول العسكري المباشر إلى البلدات التي يتواجد فيها هذان الفصيلان.

بالمقابل، يبدو واضحاً إصرار الهيئة على تحصيل اعتراف الفصائل بحكومة الإنقاذ في كل الاتفاقات الموقعة، كما في هذا الاتفاق، وقبله في اتفاق آخر كانت قد وقعته الهيئة مع حركة أحرار الشام في قطاع سهل الغاب وجبل شحشبو، الذي يضم عملياً القوة العسكرية الأهم للأحرار.

كان الاعتراف بحكومة الإنقاذ شرطاً رئيسياً في تلك الاتفاقات، ويقدّم هذا مؤشراً رئيسياً على توجهات الهيئة المقبلة، إذ يبدو أنها تريد في المقام الأول إثبات قدرتها على التحكم بمفاصل الحياة في مجمل المنطقة، التي أصبحت منذ اتفاق سوتشي الأخير بين أنقرة وموسكو منطقة للمساومات بين الطرفين. وبالنتيجة، تريد الهيئة أن تكون طرفاً ضامناً ومنفذاً على الأرض لهذه الاتفاقات.

ويبدو أن القضاء على الزنكي، ومن ثم إنهاء أحرار الشام عملياً من خلال تفكيك جناحها العسكري الأقوى في سهل الغاب، وحصار صقور الشام في بضع قرى بجبل الزاوية، مع اعتراف الجميع بحكومة الإنقاذ التي تهيمن عليها الهيئة، هي الأوضاع التي ستعطي الهيئة التفوق اللازم لتكون الطرف المهيمن والمنفّذ للاتفاقات الدولية على الأرض في إدلب ومحيطها.

من جهتها، بدت أنقرة كما لو أنها غير معنية بالحدث طيلة الأيام والأسابيع الماضية، إذ لم يتحرك فيلق الشام وهو الفصيل الأكبر في الجبهة الوطنية للتحرير كما يجب، ولم يزجّ بقواته فعلياً في المعركة، عدا عدة كتائب وألوية، قال مصدر مقرب من الجبهة الوطنية للتحرير إنها تحركت بشكل منفرد دون قرار من قيادة الفيلق، وإن هذا قد يعرضها للمحاسبة.

كذلك لم يتحرك «الجيش الوطني» المرعي من أنقرة بشكل مباشر، والمكوَّن من فصائل أساسية في عمليات درع الفرات وغصن الزيتون، إلا في المناطق التي تُعدُّ حيوية بالنسبة له على مداخل منطقة عفرين، حيث يمنحه الاحتفاظ بالسيطرة على مناطق في شمال غربي إدلب قدرة على التحكم بحركة القوات من وإلى المنطقة، وهو ما لا يمكن تسليمه بشكل كامل لهيئة تحرير الشام، التي سعت بوضوح للسيطرة على كامل الشريط المحاذي لعفرين، كي تضبط الحركة بين المنطقتين بالكامل.

عدا تلك التحركات المحدودة للغاية، كانت ردة فعل القوات المدعومة من تركيا في المعارك الأخيرة أقرب للصفر، أما على صعيد التصريحات السياسية، فلم تخرج تركيا عن صمتها سوى بعد توقيع الاتفاق الأخير بساعات قليلة، عندما قال وزير خارجيتها شاويش أوغلو إن تركيا اتخذت ما يلزم من خطوات لوقف هجمات «الجماعات الراديكالية على المعارضة» في إدلب، وهو ما يعني تغاضي أنقرة عن العمليات التي قامت بها الهيئة، وموافقتها على خضوع المنطقة إدارياً لحكومة الإنقاذ، وذلك بالتزامن مع صمت تام من قبل موسكو، الأمر الذي يعني بدوره أن هذه التحولات تجري بتغاضٍ تام من رعاة سوتشي، إلى حين.

يمكن أن تكون التغيرات التي جرت على الأرض في إدلب وريف حلب الغربي مقدمة لاتفاقات وتفاهمات جديدة، ستضم بالإضافة إلى مصير إدلب، تقاسمَ تركة واشنطن في شرق الفرات في حال تنفيذ الأخيرة انسحابها فعلاً. وستكون سيطرة الهيئة حجة مقنعة لتسليم مصير المنطقة إلى موسكو مستقبلاً، أو أنها ستكون فرصة لتوحيد المنطقة تحت سيطرة تركية تامة، تصلح هيئة تحرير الشام وحكومة إنقاذها أداة لتنفيذها، كما تصلح ذريعة لتنفيذها بيد فصائل «الجيش الوطني» الخاضع لتركيا أيضاً.

يبقى المصير القادم من بين هذه المصائر الثلاثة رهناً بالتفاهمات الجديدة التي ستحدث، لكن المؤكد أن سيطرة هيئة تحرير الشام الشاملة على إدلب ومحيطها، تفتح الباب أمام ترك تلك المنطقة ميداناً للمساومات، مع بقاء احتمال أن تصير الهيئة وكيلاً مقبولاً في إدارتها، وهو ما تطمح إليه قيادة الهيئة وتعمل من أجله بكل ما أوتيت من قوة.

المصدر : الجمهورية

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

Loading...