العسكريون يقرؤون نفس الكتاب.. 4 تجارب للجيوش مع الثورة والسلطة

لا تهم أي مؤسسة من أجل الحفاظ على الدولة مثلما يهُمّ الجيش، ولا يمكن لانتفاضة داخل الدولة أن تنجح من دون دعم الجيش؛ لكن هذا لا يعني أن دعم الجيش كافٍ لإنجاح الثورة بالشكل نفسه الذي أراده الثوار، ففي الحقيقة نادرًا ما تنجح الثورات، فهي تحتاج لتضافر القوى السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وقبل ذلك، دعم أكثريّة من القوات المسلحة. فلا يمكن للثورة أن تنجح في غياب دعم الجهاز القمعي للدولة، وإذا ما أدركنا أنه لا يمكن لثورة أن تنجح دون دعم هذه المؤسسة، فكيف ولماذا تستجيب الجيوش لثورات شعبية تهدد بقاء النظام، على الرغم من أن الجيش عادة ما يكون المؤسسة الرئيسة التي يواجهها المتظاهرون، وبحاجة إلى الانتصار عليها لتحقيق أهدافهم الثورية؟

فسر زولتان باراني في كتابه «كيف تستجيب الجيوش للثورات؟ ولماذا؟» تعامل الجيوش مع الثورات بطرق مختلفة، فأحيانًا تميل الجيوش لمعارضتها، والوقوف إلى جانب السلطة. وتختلف آلية المعارضة هذه من جيش إلى آخر، فبعض الجيوش تستخدم العنف المفرط ضد المتظاهرين، بينما تستخدم جيوش أخرى العنف في حدوده الدنيا، وذلك بهدف السيطرة على التظاهرات، انطلاقًا من المَثَل الشهير الذي تدركه بعض القوات المسلحة جيدًا: العنف يولّد العنف المضاد.

نتحدث في هذا التقرير عن جيوش تخلت عن رؤساء الدّول، وساهمت بشكل مباشر في تحقيق انتصار – ولو كان مبدئيًا – للثوار. أمّا بعد سقوط الأنظمة، فقد تصرفت هذه الجيوش بطرق مختلفة، فبعضها قرر، بشكل ملتوِ، الانقضاض على السلطة، وبعضها قرر طوعيًا التراجع للثكنات وممارسة الدور التقليدي للجيوش، وقد اشتركت جيوش عدّة بلدان في الكثير من الأسباب التي دفعتها لمساندة الانتفاضات ضد السلطة، مثل تضخم الحشود إلى الدرجة التي تجعل ثمن مقاومتها بالعنف فادحًا، وسقوط شرعية السلطة وترنحها أمام الشعوب، وعقود طويلة من تهميش النظم الحاكمة للجيوش، في مقابل اهتمامها الكبير بأجنحة وزارة الداخلية والأمن المركزي، وتمكين وزارة الداخلية من إدارة الملفات الكبرى للبلاد.

الثورة الإسلامية في إيران.. قنبلة «القمع المفرط» الموقوتة

أوردت الرابطة الدولية لحقوق الإنسان، التابعة للأمم المتحدة، أنه في نوفمبر (تشرين الثاني) 1978 كان هناك الآلاف من السجناء السياسيين المحتجزين في إيران، والذين تمت محاكمتهم أمام محاكم عسكرية استثنائية، مع قائمة اغتيالات ضمت أكثر من 10 آلاف شخص قتلهم نظام الشاه محمد رضا بهلوي خلال 30 عامًا من حكمه، على يد «منظمة أمن الدولة والاستخبارات» (سافاك)، والتي قمعت كل معارضة لم يستطع النظام احتواءها.

ابتعد المؤيدون التقليديون للنظام الملكي عن الشاه، خاصة ملاك الأراضي ورجال الدين في الريف، وتسبب القمع العنيف لانتفاضة عام 1963 في الرفع من وتيرة الابتعاد عن النظام، ودفع مزيد من الشرائح الاجتماعية إلى أحضان المعارضة، ومع بداية عام 1978، كانت دائرة المؤيدين للنظام قد ضاقت لتضم فقط الضباط ورجال الدولة المستفيدين بشكل مباشر من الشاه، حتى قامت الثورة الإيرانية سنة 1979 لأسباب سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، ومع اندلاع الثورة، كان يعتقد الشاه أن ضباط الجيش هم الأنصار المخلصون للنظام، فكان قادة الجيش هم مديرو المحافظات، والوزارات الحكومية والشركات المملوكة للدولة، وكان ضمان إخلاصهم عدم سماحه لرؤساء فروع الجيش المختلفة بالتواصل مع بعضهم من دون حضوره الشخصي، لكن ذلك لم يكن كافيًا.

التجنيد الإجباري.. شوكة في حلق العسكريين الطامحين للسلطة

تعد طريقة بناء الجيش عاملاً مهمًّا لتفسير ولاءات الضباط خلال الثورات في الدول المختلفة، فتظهر اختلافات بين الجيوش من حيث كونها جيوشًا إلزامية أو تطوعية، فالمجندون الإلزاميون يشتركون في الكثير من القواسم مع مواطنيهم من الثوار، ويخدمون بالجيش لفترة قصيرة، ويعتبرون الواجب العسكري مجرد حادث طارئ في حياتهم، على عكس الجنود المحترفين الذين قد يتم استدعاؤهم لقمع الثورة، لذا يمكن القول إن المجندين الإلزاميين هم أقل قابلية لإطلاق النار على الحشود التي قد تضم الأسر والأصدقاء، وإذا ما وصلت الثورة إلى مستوى المواجهة في الشارع بين قوات الجيش والمتظاهرين، فإن النظام عادة سيقرر الاعتماد على النظاميين المحترفين أكثر من اعتماده على المجندين إجباريًّا، الذين قد يشكلون خطرًا، ليس فقط بامتناعهم عن إطلاق النار، لكن أيضًا بقرارهم المحتمل بالوقوف إلى جانب الثوار.

ظهر في بعض قطاعات الجيش خليط بين الجنود المحترفين والمجندين الإلزاميين، وكانت معنويات المجندين إجباريًا في القوات البرية منخفضة، لأن التجنيد يستدعي شباب الأسر الفقيرة والريفية، ومن لم يكملوا تعليمهم الثانوي، ليعملوا خدمًا في منازل الضباط باعتبار ذلك جزءًا من خدمتهم العسكرية.

لقد تعاطف هؤلاء الجنود أثناء الثورة الإيرانية على سبيل المثال مع فكرة التمرد، واشتراكهم مع الشعب في عقيدتهم الدينية المتحفظة ضد النظام العلماني، ومع انطلاق الثورة، شكّلوا جزءًا كبيرًا من المنشقين عن الجيش، كما كانت أجور الجنود منخفضة بشكل يدعو للرثاء، فبينما كان الملازمون والجنرالات يحصلون سنويًا على ما يوازي 14 ألف دولار، و70 ألف دولار على التوالي، كان يتم إعطاء المجندين نحو 365 دولار في العام.

ومع بدأ المظاهرات الأولى، أخرج الشاه قوات الأمن «السافاك» لمواجهة المحتجين، ومع زيادة عدد القتلى زادت الأعداد المحتجة حتى أقال الشاه جنرالات «السافاك» مما أضعف الروح المعنوية للأجهزة الأمنية. وفي الرابع من سبتمبر (أيلول) ومع بدء المظاهرات الكبرى، أمر الشاه الجيش بعدم التدخل، ثم أعلن الأحكام العرفية وأمر الجيش بقمع المظاهرات في السابع من سبتمبر في محاولة منه للسيطرة على الأزمة، وهي الخطوة التي جاءت بنتائج عكسية فيما بعد.

الصدمة الأولى في إيران.. جيش غير مستعد ومحاولات دموية أولى

واجه الجيش المتظاهرين في الثامن من سبتمبر، وأمرهم بالتفرق، فلم يستجيبوا واندفعوا ناحية الجنود، فبدأ إطلاق النار وسقط أكثر من 100 قتيل، واستمرت الاشتباكات ووصلت لقتل 12 طالبًا في الجامعة وجرح العشرات على يد الجيش، ما قضى على أي أمل في التوصل إلى تسوية بين النظام والمعارضة، رغم ارتباك النظام الواضح في اتخاذه إجراءات فشلت في التعامل مع الأزمة.

لاحقًا، وفي بداية شهر نوفمبر (تشرين الثاني) حدث أمر غير معهود، تمثل في تصوير بعض الاشتباكات بين الطلاب والجيش، وبثها على التليفزيون الوطني، وردت الحكومة بتوبيخ للقادة العسكريين وقواتهم، فأمر الضباط جنودهم بالانسحاب بدلًا من الاشتباك مع المحتجين، خوفًا من انتقام رؤسائه؛ ما سمح باندلاع التظاهرات كالنار في الهشيم ووصلت الأعداد لمئات الآلاف من المشاركين؛ ما شكل استحالة سيطرة أي جيش عليهم.

يتكرر هذا المشهد كثيرًا: حين يقوم الثوار بوضع الزهور على الدبابات أو في فوهات البنادق. يحدث هذا لأن المشاركين في الثورات يدركون أهمية دعم القوات المسلحة لإتمام نجاح ثورتهم، فالتاريخ مليء بصور الثوار الذين يحاولون اجتذاب الجنود من خلال مخاطبتهم بشكل مباشر وبالحملات الإعلامية، وبمحاولات استغلال السخط وضعف الروح المعنوية بين صفوف الجنود، وقد استُخدم ذلك التكتيك على نطاق واسع في  العديد من الثورات، مثل فرنسا (1789 و1848 و1871)، وروسيا (1917)، والمجر (1956)، وجميع الثورات العربية الأخيرة باستثناء البحرين، وكان هذا مساعدًا لإيران وقتئذ في ثورتها (1979).

نالت المظاهرات من عزيمة الشاه، وغادر وعائلته طهران يوم 16 يناير (كانون الثاني) 1979، ومنح البرلمان الثقة لحكومة بختيار، آخر الحكومات التي شكلها الشاه، والتي انهارت في 11 فبراير (شباط) وأعلنت القوات المسلحة استسلامها للثورة، وللخميني محرك الثورة من منفاه من أجل التوصل لتسوية من شأنها إنهاء العنف المتزايد في العاصمة والمدن الأخرى.

وفور عودته، هدّد الخميني النخب العسكرية إذا ما قررت التحرك ضد الثورة بأن يعلنها حربًا مقدسة ضد الجيش، وهو التهديد الذي لقي صداه عند المتدينين الكثر داخل الجيش، لينضموا للثوار في مناوشاتهم مع القوات الموالية للنظام ووحدات الحرس الإمبراطوري، ومع إدراكهم فشل مخططات التدخل العسكري ضد المحتجين، قرّر جنرالات القوات المسلحة إعلانهم الحياد وعدم دعم حكومة بختيار آخر حكومات النظام ولا حكومة الخميني.

انتفاضة «الثمانينيات الأربع» في بورما.. شعب أعزل مقابل جيش مسلّح

خلال الفترة بين 1974 و1988 أصبح النظام السياسي في بورما نظامًا عسكريًا بشكل غير مباشر، أو ما يُعرف بـ «دولة الأمن القومي»، والتي تقترن فيها مصالح العسكر بمصالح البلاد، وبحلول أواخر الثمانينيات كانت بورما قد تراجعت بشكل واضح بين جيرانها بسبب ربع قرن من العزلة السياسية والسياسات الاقتصادية الاشتراكية.

تلخّصت أسباب الثورة بالأساس في غضب الشعب المكبوت وإحباطه من الديكتاتورية العسكرية، مع سوء الإدارة الاقتصادية، وفشل مشروع «طريق بورما نحو الاشتراكية». بالإضافة إلى  انتشار الفساد المنظم، وانتهاكات حقوق الإنسان الممنهجة، ووحشية جهاز الشرطة في كثير من الأحيان.

 

الشرارة الأولى.. «البوعزيزي» النسخة البورميّة

عادة ما تنطلق الشرارة الأولى للثورات نتيجة أحداث صغيرة نسبيًا مثلما هو الحال مع حادثة الشاب «بوعزيزي» في تونس، والتي كانت في حالة بورما هي مبالغة الشرطة في رد فعلها أثناء التعامل مع مشاجرة بين بعض الشبان في مقهى، إذ قتلت الشرطة طالبًا، ثم رفضت الاعتذار، ما أدى إلى اشتعال الشارع غضبًا. تظاهر طلاب الجامعات على إهدار العدالة، وردت الحكومة بقمعهم وقتل العشرات، وقامت قوات الأمن بمطاردة الطلاب إلى بُحيرة حيث غرق العديد منهم، إضافة لمقتل 41 طالبًا اختناقًا حتى الموت في حافلة ترحيل مساجين مكتظة، كذلك تعرض عدد من الطالبات لاغتصاب جماعي من قبل الجنود فيما عُرف لاحقًا باسم «حادث الجسر الأحمر».

وفي اليوم التالي اعتقلت السلطات آلافًا من الطلاب وأغلقت الجامعات في محاولة لاستعادة السيطرة على الوضع، لكن إجراءات الحكومة لم تفلح في وقف الانتفاضة التي انتشرت في العاصمة ومدنها؛ فاشتدت المناوشات وزادت أعداد القتلى، وانضمّ الرهبان والعمال والموظفون الحكوميون في المسيرات التي لم تنفع معها إعلان الأحكام العرفية وحالة الطوارئ، وتوقفت الحياة تمامًا نتيجة المظاهرات.

في 18 سبتمبر 1988، حاول بعض قادة النظام – الذين لم يتم التأكد من أشخاصهم على وجه التحديد – إعادة النظام، ودفع القوات المسلحة للقيام بانقلاب داخلي، وتبعه قيادة الجنرال ساو ماونغ لعملية الاستيلاء على السلطة، وتأسيس ديكتاتورية عسكرية مباشرة تحت سلطة مجلس أُنشئ حديثًا تكون من 21 عضوًا عسكريًا تحت اسم «مجلس استعادة النظام».

أدرجت وسائل الإعلام الأجنبية ما حدث تحت اسم «شبه انقلاب» أو«انقلاب ذاتي» أو«استبدال القيادة»، وربما كان ذلك سببًا في عدم ابتهاج المتظاهرين بالبيان، فاستمرت في الشارع مسيرات لآلاف المواطنين الغاضبين رغم فرض حظر التجول، فبدأ الجنود بإطلاق طلقات تحذيرية لتفريق المتظاهرين، وسرعان ما تحولت تلك الطلقات إلى صدور المتظاهرين، وتصاعد العنف سريعًا واستمر لبضعة أيام، وكانت المذبحة التي تسببت بمقتل 3 آلاف متظاهر على الأقل، ومع انقشاع غبار المتظاهرين ودخان الرصاص، كان عهدًا جديدًا قد بدأ.

هل تترك الجيوش السلطة وترجع للثكنات؟

لقد نجح الجيش البورمي – على عكس الكثير من الأنظمة الحاكمة التي وقعت فريسة للثورات – في تحويل الجنود الأكثر تضررًا من النظام العسكري إلى أسلحة قمع طيّعة، وإذا كان الضباط وأعضاء السلك العسكري هم المستفيدون عمومًا، بشكل رئيسي من نظام الحكم ذاك، إلاّ أن الجيوش قد ترغب في بعض الحالات بشكل جدي في التخلي عن السلطة والعودة إلى ثكناتها بسبب «إرهاق الحكم»، وهناك عدد غير قليل من النماذج التي قررت فيها الجيوش الانسحاب من المشهد السياسي، مثل ما حدث في غانا 1969، وكوريا الجنوبية وتشيلي في أواخر الثمانينيات. ومع ذلك، لم يُظهر جنرالات بورما نيتهم لتسليم السلطة في هذه المرحلة، كما ظهر في انتخابات 1990 والتي اتسمت بأقل قدر من الحرية، إذ لم تكن احتمالية التخلي عن السلطة واردة أمام نخب الجيش للنظر فيها أصلًا.

ثورة «البوعزيزي» في تونس.. قطعة الدومينو الأولى

اشتعلت الثورات التي شهدتها عدة دول في العالم العربي مع إشعال بائع الخضار المتجول، محمد البوعزيزي، نفسه بعد أن أهانته معاونة في الشرطة البلدية في بلدته التونسية المهمشة، وفي غضون أيام تحولت احتجاجات العشرات إلى مظاهرات حاشدة أطاحت برؤوس أنظمة لم تتغير قبل ذلك بعقود. في البداية، انتشرت الاضطرابات في جميع أنحاء تونس، ولاحقًا انتقلت إلى عدد من الدول القريبة من تونس، وفي غضون أشهر، كان الغضب الشعبي قد أعاد تقسيم الخارطة السياسية للعالم العربي. بحلول نهاية 2011 كان قد أُطيح بأربع ديكتاتوريّات في مصر وتونس وليبيا واليمن، أما الديكتاتورية الخامسة، سوريا، فقد تحوّل فيها الصراع بين النظام والمعارضة إلى حرب طاحنة. وفي الديكتاتورية السادسة، البحرين، تم السيطرة على الاحتجاجات سريعًا. ورغم أن هناك اختلافات جذرية بين مصر وتونس من حيث الخطوات التي اتخذتها قيادة الجيش إلى قرارها بدعم الثوار، لكن مع ذلك، وصلت الدولتان إلى نفس النتيجة، إذ تركت الجيوش قادة الدول يسقطون بدلًا من أن يوجهوا بنادقهم نحو صدور المتظاهرين العزل.

الجيش يتخلّى عن الرئيس

استخدم ابن علي القوة المميتة ضد المتظاهرين السلميين، فنقل المظاهرات إلى مرحلة أخرى أكثر عنفًا لم يسيطر عليها مؤيدوه والبلطجية وقوات الشرطة؛ فأمر الرئيس المخلوع بن علي رئيس أركان الجيش، الجنرال رشيد عمار بنشر قواته في الشوارع لسحق الثورة، ولكن رشيد عمار اختار دور الحياد؛ فرفض الأوامر بإطلاق النار على المتظاهرين، في الوقت الذي كان يرى فيه الشرطة تقتلهم، واختار أن يكون الجيش درعًا بشريًّا بين قوات الأمن والمتظاهرين، وإنقاذ الثورة وبالتالي إجبار ابن علي على الرحيل.

حرص ابن علي على إبقاء جيشه صغيرًا، فتكون من قرابة 30 ألف شخص فقط، مقابل 79 ألف شخص للشرطة، كما ترك الجيش مهمشًا كما هو منذ ثلاثة عقود، يحرس الحدود، بعيدًا عن سلطة اتخاذ القرار، وبعيدًا عن خطط التنمية الاقتصادية، ويخدم فيه الشباب بشكل إلزامي. ومع الفساد المستشري في مؤسسات الرئاسة والداخلية، مقابلمخصصات الجيش الضئيلة، لم يكن للجيش أي مصلحة في بقاء النظام، ولا مبررًا لإطلاق النار على المتظاهرين. حتى كان الجنرال رشيد عمار – وفقًا لبعض التقارير – هو من أقنع ابن علي بالرحيل بعد أن أعلن الثوار أن الجيش هو ضامن نجاح الثورة.

 

ثورة 25 يناير في مصر.. قصة الجنرالات الأذكياء

على الرغم من أن الجنرالات في مصر اختاروا أيضًا دعم مسار الثورة، إلا أن طريقهم لاتخاذ القرار لم يكن أبدًا بصراحة الطريق الذي اتخذه قادة الجيش التونسي. بعد أسبوعين ونصف من بداية الانتفاضة في مصر في الخامس والعشرين من يناير سنة 2011 حسمت النخبة العسكرية المصرية رهاناتها، وتحرك قادة الجيش بهدوء لتعزيز موقفهم في السلطة، وفي ذات الوقت كانت بعض وحدات الجيش تحتجز المتظاهرين في مقرات المخابرات وتقوم بالاعتداء عليهم، أو على الأقل بتمكين الشرطة وأجهزة الأمن الأخرى من رقابهم.

لم تطلق قوات الجيش النار على الشعب في تلك المرحلة، ومع ذلك لم تقم بمنعهم من احتلال ميدان التحرير في قلب القاهرة. انهارت مقاومة قوات الداخلية في 28 يناير، وحاول النظام الرد بنشر قوات الجيش لدباباتهم وناقلات الجند في العاصمة القاهرة والمدن الكبرى، في إشارة لفقدان حسني مبارك السيطرة، والذي فقدها فعليًا يوم الثاني من فبراير فيما عُرف بموقعة الجمل، عندما هاجم رجال الأمن ومأجورون المتظاهرين؛ فاستنتج الجيش حينها حتمية فشل أسلوب العصا والجزرة، وأن تزايد العنف والفوضى سيضر بشرعية الجيش بين الجماهير، وبدا حينها أن الجيش بأكمله ليس مستعدًا للدفاع عن النظام، بما في ذلك قوات الحرس الجمهوري المكلفة بحماية الرئيس. وبذلك، في العاشر من فبراير، اتفق المجلس الأعلى للقوات المسلحة بضباطه الـ19 على أن رئيسًا يبلغ من العمر 82 عامًا، بلا أفق للخلاص ولا رؤية سياسية، لا يستحق الدفاع عنه، وفي اليوم التالي أعلن نائب الرئيس عمر سليمان استقالة رئيس الجمهورية وتكليف الجيش بإدارة شؤون البلاد، وبالتالي أجبر مبارك على التنحي والتوجه لشرم الشيخ.

التجنيد الإلزامي.. كيف تحولت النقمة إلى نعمة؟

اتفقت كل الثورات الكبرى في القرن الحادي والعشرين على هذا الاستنتاج تقريبًا، إذ غالبًا ما تنجح الحركات الاحتجاجية الكبرى التي حدثت في دول تُجند مواطنيها إجباريًا وتحقّق أهدافها، مثلما كان الحال في جورجيا سنة 2003، أوكرانيا ولبنان سنة 2005، وتونس ومصر سنة 2011.

وعلى العكس منهم، فشلت الانتفاضات التي واجهت جيوشًا من النظاميين أو تلك التي تستهدف أفرادًا محددين مثل بورما 2007، وإيران 2009، والبحرين. مع ذلك، هناك استثناءات لتلك الفرضية، منها عندما أطلق المجندون النار على مواطنيهم، كما فعل الجيش الصيني عام 1989.

وبشكل عام، يعتمد الجيش المصري على التجنيد الإلزامي، وتكون مدة الخدمة في الجيش المصري ثلاثة سنوات للأميين، ولا يخضع غالبية هؤلاء الجنود للتدريب الكافي؛ فيخدم الأميون كحراس أمام بعض منشآت الدولة خلال فترة خدمتهم بالجيش. أما هؤلاء الذين أكملوا تعليمهم الثانوي على الأقل فعادة ما يخدمون لمدة سنة واحدة في الجيش. وعادة ما ينظر المجندون في الجيش، سواء كانوا متعلمين أم لا، إلى مدة بقائهم في الجيش باعتبارها «محنة مؤسفة لكنها مؤقتة».

أدرك الجنرالات أنهم إذا ما كانوا على استعداد لإصدار أوامر بإطلاق النار على المتظاهرين، فإن كثيرًا من الضباط والمجندين من المحتمل أن يرفضوا الأوامر، بحكم خلفياتهم الاجتماعية، كونهم جزءًا من المجتمع المصري بتنوعاتهم الاجتماعية والاقتصادية، والتي تشكّل الأغلبيّة الساحقة من المشاركين في الثورة. وفي الواقع، فإن هذه النقطة الأخيرة لم تنطبق بشكل كبير على مجندي الأمن المركزي الذين أطلقوا النار على العديد من المتظاهرين، ويفسر ذلك كون المجندين المنتمين للأمن المركزي عادة ما يكونون أقل شأنًا من الناحية الثقافية، ويأتون من خلفيات اجتماعية فقيرة وريفية، لذلك فهم أكثر عرضة للتلقين المباشر والاقتناع بسرديات قادتهم.

الجيش والسلطة قبل يناير2011.. حالة معقدة

يتمتع قادة القوات المسلحة المصرية بسلطات واسعة لاتخاذ القرار، فقد كان وزير الدفاع والانتاج الحربي في الفترة من 1991 حتى 2012، المشير محمد حسين طنطاوي، رفيق مبارك وصديقه لعقود، ما سمح له بإدارة الجيش من دون أي تدخل. كذلك كان رؤساء فروع الجيش، فطبقًا لاثنين من الخبراء: «لا يمكن اعتبار الجيش المصري قوة احترافية حقيقية مثلما يراه الكثيرون، فالجيش متضخم بشكل غير عملي، كما أن ضباطه مدللون، تم تسمينهم على عين مبارك وبرعايته. تدريبات الجيش ليست بالكفاءة المطلوبة، وصيانة معداته غير جيدة، ولا تزال القوات المسلحة تعتمد على الولايات المتحدة بشكل كبير في الحصول على التمويل والدعم اللوجيستي».

كان من الصعب توقع اتّباع الجيش المصري نفس نموذج نظيره التونسي، لأسباب عدة، فحتى مع تزايد نفوذ وزارة الداخلية المصرية داخل النظام، ظل الجيش المصري حجر الأساس في قاعدة دعم مبارك، والذي خدم سابقًا قائدًا للقوات الجوية، كما أنه لم يتعرض لأي انتقادات من قوى المعارضة أو وسائل الإعلام خلال المهلة التي منحها له الجيش، فلماذا إذًا أحجم الجيش المصري عن إنقاذ نظام مبارك؟

القوات المسلحة المصرية تركت ساحة ميدان التحرير في بداية الثورة.

كان غضب النخب العسكرية على جمال مبارك هو أوّل دوافعهم، فهو نجل الرئيس وخليفته المرتقب، كما كوّن ابن الرئيس علاقات قويّة مع قطاع كبير من رجال أعمال الدولة الذين استغلوا وضع عائلة مبارك ومنصب جمال في الحزب الحاكم من أجل الاستفادة من الإصلاحات الاقتصادية الليبرالية، وهو الأمر الذي تعارض مع رغبة جنرالات الجيش في تعويض تراجع نفوذهم السياسي بالمشاركة الاقتصادية المتنامية في كل القطاعات، بداية من الأثاث المنزلي مرورًا بإنتاج العتاد العسكري والسياحة والزراعة. من المستحيل الحصول على أرقام مؤكدة بشأن اقتصاد الجيش، لكن وفقًا لبعض التقارير الحديثة يمتلك الجيش 87% من أرض مصر، وأكثر من ثلث قطاع الأعمال فيها، تذهب إيراداتها مباشرة لخزينة الجيش وتُصرف بالكامل دون رقابة الدولة، وكانت القوات المسلحة تجني سنويًا 1.3 مليار دولار على شكل مساعدات عسكرية مباشرة من الولايات المتحدة.

القلق على المعونات الأجنبية

على الرغم من عدم تفكير أي دولة أجنبية بجدية أو راديكالية في التدخل بمصر، إلا أن جنرالات الجيش في القاهرة كانوا متأثرين بشدة بعلاقاتهم بالدول الأجنبية، وهناك أدلة تشير إلى أن الأمريكيين في سنة 2011 قد أبلغوا الجيش المصري مباشرة بـ«ضرورة عدم إطلاق النار على المتظاهرين» بعد أن قرّرت إدارة أوباما التخلّي عن مبارك.

كذلك فقد كانت تطورات ما يحدث في تونس تناقش بشكل موسع ومستمر، وحجم المظاهرات وسقوط ابن علي؛ ما زحزح يقين جنرالات القاهرة، حتى أنه عندما أُثير قلق قيادات الجيش المصري بشأن استمرار المعونات العسكرية الأمريكية خلال الربيع العربي، عبروا عن ذلك بتوجههم لاستقطاب المانحين المحتملين من الممالك العربية الغنية بالنفط. وبدا كم تؤثر طبيعة العلاقات بين النظام الحاكم والدول الأجنبية المانحة، والتي تقدم للنظام المساعدات الاقتصادية والعسكرية، في تعامل الجيش مع الثورة؛ فعلى الأرجح يولي كبار الضباط اهتمامًا خاصًا بموقف العسكريين الذين يتولون ملفات المساعدات في الخارج، ويضعون في اعتبارهم الموقف الذي تريد هذه الأطراف من الجيش أن يتبناه.

ساسة بوست

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

Loading...