أردوغان رجل أنقرة وأوروبا المريض

يتقدم حزب العدالة والتنمية في الوقت الحالي بمجموعة من المعلومات والوثائق، التي لا أساس لها من الصحة، إلى المجلس الأعلى للانتخابات، الذي يعتبر امتداداً للقصر الرئاسي أكثر من كونه هيئة قضائية مستلقة؛  لذلك كان من الطبيعي أن يقبل هذه الادعاءات الباطلة بحجة فحصها، وإصدار تعليمات بشأنها.
والواقع أننا نشهد أحداثًا سرياليةً تشبه – إلى حدٍ بعيد – تلك التي تابعناها في أفلام المخرج فيديريكو فيليني. صار من الطبيعي للغاية أن نشهد في تركيا عام 2019 أحداثًا وتطورات بعيدة كل البعد عن الديمقراطية وأسس القانون. والغريب في الأمر أن جبهة المعارضة، يتقدمها حزب الشعب الجمهوري، صارت تتابع – هي الأخرى – كل هذه الأحداث بصمت وهدوء شديدين، ودون أن تُحرِّك ساكنًا.
في تلك الأثناء تواردت الأنباء والتكهنات حول ما يدور في الكواليس في أنقرة. روَّجت وسائل التواصل الاجتماعي التي يُديرها حزب العدالة والتنمية بعضاً من هذه الأخبار. ومن أكثر الأخبار التي تناقلتها وسائل التواصل، التابعة لحزب العدالة والتنمية، تصريح نُسِبَ إلى زعيم حزب الحركة القومية دولت بهجلي، تحدَّث خلاله عن أنه أنهى تحالف الشعب.
على الرغم من أن أمراً كهذا لا يبدو واقعيًا للغاية، إلا أن جبهة المعارضة تجاوبت مع هذا الخبر، بل وتلهفت بعض الأحزاب – وعلى رأسها الحزب الصالح – على أخذ مكان حزب الحركة القومية في تحالف الشعب. وعلى الجانب الآخر، كتب صديقي الصحفي أردال أر في مدونته، تعليقاً على هذا الخبر، إن حزب الشعب الجمهوري مستعد لأمر كهذا:
“هل ستسمح الدولة بعد ذلك بدفع حزب الشعب الجمهوري خارج النظام بشكل أكبر مما هو عليه في الوقت الحالي؟ أم أنها ستجتذبه إليها من جديد، رغماً عن أردوغان، وستجري له إعادة صياغة مرة أخرى؟
الواضح أن الدولة تريد إعادة صياغة حزب الشعب الجمهوري وتهيئته من جديد.

1-    يسعى حزب العدالة والتنمية من وراء تحالفه مع حزب الشعب الجمهوري إلى كسب ثقة قطاعات المجتمع، التي أصبحت لا تشعر بالرضا عن أداء الدولة، وجعلها تحت سيطرته.

2-    يسعى حزب العدالة والتنمية كذلك إلى منع حدوث أية محاولة للتلاقي بين حزب الشعب الجمهوري وحزب الشعوب الديمقراطي بقاعدته الكردية العريضة.
3-    يرى أردوغان وغيره من قادة حزب العدالة والتنمية أن تحالف حزب العدالة والتنمية – حزب الحركة القومية لم يعد قادراً على هدم القضية الكردية بمفرده، ومن ثم فهو يشعر بحاجة مُلحة لتكوين تحالف جديد مع حزب الشعب الجمهوري.
4-    للقضية بعد دولي آخر يحتم على أردوغان التقرب من حزب الشعب الجمهوري..

من هنا جاءت دعوة أردوغان لتكوين تحالف جديد أسماه “تحالف تركيا”.

ولكن السؤال هنا، هل يفعلها حزب الشعب الجمهوري، ويستجيب لدعوة أردوغان أم لا؟
إذا لقيت غالبية أعضاء الإدارة الحالية لحزب الشعب الجمهوري اهتماماً من أردوغان، فإنهم لن يترددوا عن قول “نعم”. ويدرك المتابع للتصريحات التي تخرج عنهم – بين الحين والآخر – هذا الأمر بوضوح.

أود أن أؤكد هنا أيضاً على قول أردال بأن الفجوة بين قاعدة حزب الشعب الجمهوري، وخاصة في المدن الكبيرة، وزعماء الحزب في المركز العام للحزب، آخذة في الاتساع باستمرار؛ ففي الوقت الذي تتبع فيه إدارة حزب الشعب الجمهوري أسلوباً حذراً للغاية في تعاملها مع حزب الشعوب الديمقراطي، أثار إلقاء أكرم إمام أوغلو الورود على حزب الشعوب الديمقراطي حماسة كبيرة في الميدان، أثناء خطاب الشكر الذي ألقاه أكرم بعد فوزه في الانتخابات المحلية في إسطنبول.

من هنا يمكن القول إن اتباع إدارة حزب الشعب الجمهوري سياسة الحزب الحاكم قد يثير، بعد فترة من الوقت، حالة من عدم الارتياح لدى الناخبين المؤيدين له في المدن الكبرى، بل وقد ينزلق هؤلاء الناخبون، وخاصة الشباب، وينحازون – في خطوة غير متوقعة – إلى حزب الشعوب الديمقراطي. وعلى الجانب الآخر، قد يمنح انضمام عربة حزب الشعب الجمهوري إلى قطار حزب العدالة والتنمية فسحة من الوقت للأخير ليلتقط أنفاسه، ولكن هذا لن يمنع في أن يزداد الوضع الاقتصادي والديمقراطي في تركيا سوءاً على المدى البعيد.

على الجانب الآخر، يواصل أردوغان تصريحاته وصراخه الذي لا ينقطع؛ لأنه يرى أن البناء الذي ظل يقيمه ما يقرب من 20 عامًا قد بدأ في التصدع والانهيار، خاصة مع ظهور حركة جديدة مناوئة له أيضاً تزعمها حلفاء حزبه القدامى. وهذا ما يفسره البعض بأن أردوغان أراد بحديثه عن “تحالف تركيا” أن يمد يده إلى رفاق الماضي أكثر مما يمدها إلى حزب الشعب الجمهوري.
ونتيجة لذلك، أصبح لدينا أردوغان مختلف تماماً اضطُر إلى الترويج كذباً أنه حصل على نسبة 41% من الأصوات، في حين أن النسبة الحقيقية التي حصل عليها حزبه لا تتعدى 35-36% فقط من الأصوات. أصبحنا أمام أردوغان يدرك جيداً أن المشكلات الاقتصادية والإدارة التعسفية لحزبه بدأت تنصهر في المدن الكبرى، وأن الأزمة ستتسع رقعتها عما قريب لتطال المدن الصناعية الكبرى في الأناضول، مثل قيصري وقونية وغازي عنتاب. وجُل ما يخشاه أردوغان كذلك هو ظهور جناح إصلاحي من داخل حزبه هو يعارض سياسات الحزب الراهنة.
والحقيقة أنه إن كان ظهور أحمد داود أوغلو لا يعني بالضرورة إنشاء حزب سياسي جديد فعال، لكن أمر كهذا قد يُشجِّع الذين ينتظرون في الظل على أن ينحوا نحوه؛ الأمر الذي سيُسرع بالضرورة من إدراك الذين صوَّتوا لحزب العدالة والتنمية الحقيقة الكاملة خاصة وأن أسماء مثل أحمد داود أوغلو وهاشم كِليج من الشخصيات التي تحظى باحترام كبير بين قاعدة المحافظين في تركيا.
إن أكثر ما يقلق أردوغان كذلك في الوقت الراهن أن حالة الارتباك في السياسة الخارجية لتركيا حدثت بالتزامن مع التراجع في الاقتصاد التركي، وازدياد أعداد الذين لا يشعرون بالرضا عن سياسته؛ لأن الناخب العاقل هو الذي يتجه إلى الحكومة القوية، فإذا وجد منها عكس ذلك فإنه سرعان ما يهجر تلك السلطة إلى سلطة أخرى يرى فيها مركزًا جديداً للقوة.
باختصار، لقد أصبح أردوغان محاصراً من كل اتجاه. أضف إلى هذا أن الدولة التي اضطرت إلى عقد اتفاق مع الأكراد بعد مفاوضات 17-25 ديسمبر هي نفسها التي تطالب باستمرار بالحرب على الأكراد، وهذه هي أزمة تركيا الأساسية؛ فالقضية الكردية هي المسألة الأساسية التي من أجلها دُحِضت الديمقراطية، وفسد النظام، وأُزهقت العدالة وبَعُدَت عن الحيادية.
لا أعرف مدى واقعية أن تقبل دولة قامت على الكذب مثل إنكارها وقوع مذابح الأرمن عام 1915، وظلت تعادي الأكراد باستمرار، أن تتحدث عن حل ديمقراطي لأيّ من هذه القضايا، ولكن المؤكد لدي أن دولة بهذا الشكل لن تسير في ركاب الدول الديمقراطية، ولن تصبح دولة قانون. ما يجعلني أشعر باليأس كذلك هو ردود الأفعال الواهنة على نتائج الانتخابات التي سُرِقت، وعلى البلديات التي نُهِبت كما نُهِبت أموال الأرمن وممتلكاتهم من قبل على الأرض التي يسكنها الأكراد الآن.
والحقيقة هي أننا أصبحنا اليوم نعيش نفس الأجواء التي عايشناها من قبل في أوائل القرن العشرين؛ إذ تحولت تركيا إلى دولة منهارة اقتصادياً، تتشبث بأميركا وروسيا على الساحة الدولية. لقد تحولت تركيا إلى دولة تسعى عبثاً إلى النهوض على قدميها عن طريق ابتزاز أوروبا. تحوَّلت تركيا من جديد، بعد فشل محاولاتها الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، إلى رجل أوروبا المريض…

المصدر : أحوال تركية

ارغون باباهان 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

Loading...