تهديد بتقسيم إقليم كردستان العراق بخلاف بين الأحزاب وحملات اعتقالات متبادلة

تلوح في أفق كردستان العراق صفحة جديدة من التصعيد في الصراع على السلطة بين الحزبين الرئيسيين وصلت إلى حد التهديد العلني بعودة نظام الإدارتين المنفصلتين، إضافة إلى تبادل اعتقال الكوادر الحزبية من الطرفين، ما يفسح المجال لتدخلات دولية لنزع فتيل انفجار الأوضاع وسط عدم مبالاة الحكومة الاتحادية.

ورغم مرور أشهر على إجراء انتخابات برلمان الإقليم في 30 أيلول/سبتمبر الماضي وظهور النتائج النهائية، لم تفلح جميع الاجتماعات واللقاءات والزيارات بين قادة الحزبين الرئيسيين الديمقراطي الكردستاني برئاسة عائلة بارزاني والاتحاد الوطني بقيادة عائلة طالباني، في التوصل إلى اتفاق حول تقاسم الوزارات والمناصب في حكومة الإقليم المقبلة، في وقت تشكو فيه بقية الأحزاب الكردية الممتعضة من تهميشها وتفرد الحزبين بالسلطة.

تقسيم السلطة في الإقليم

وفي تطور خطير للعلاقة بين الحزبين أقدمت الأجهزة الأمنية التابعة لهما على اعتقال كوادر قيادية حزبية من الطرف الآخر مؤخرا بدون مبررات قانونية، ولم يطلق سراحهم إلا بعد تدخل أطراف محلية ودولية لتهدئة التوتر، حيث وجه رئيس حكومة الإقليم نيجرفان بارزاني، بإطلاق سراح المعتقلين. وقد قامت القوات الأمنية في مدينة أربيل باعتقال عدد من كوادر وأعضاء الاتحاد الوطني بدون أوامر قضائية على خلفية الخلافات بين الحزبين، وردت الأجهزة الأمنية التابعة للاتحاد الوطني في السليمانية باعتقال عدد من كوادر الحزب الديمقراطي. ويأتي ذلك في وقت يجري الحديث عن النية للعودة إلى المفاوضات مجددا لحل أزمة تشكيل حكومة الإقليم.

وفي تطور آخر يعكس عمق الخلافات بين الحزبين وجه عضو المكتب السياسي للاتحاد الوطني الكردستاني محمود سنكاوي، انتقادات لاذعة إلى الحزب الديمقراطي في أعقاب حملة الاعتقالات التي نفذتها سلطات أربيل ضد كوادر من الاتحاد الوطني، مهددا بالعودة إلى نظام الإدارتين وتقسيم السلطة في الإقليم.

وشكا سنكاوي من أن “الاتحاد الوطني تحمل خلال السنوات الماضية هيمنة وسيطرة الحزب الديمقراطي على مفاصل ومؤسسات الإقليم وإقصائه الآخرين عن لعب دور الشريك الفعلي، مبينا أن الاتحاد الوطني لن يقبل باستمرار هذا الوضع غير المتزن بعد الآن ومبديا رفضه تمسك الحزب الديمقراطي بأغلب المناصب و”عدم إعطاء الاتحاد حصته بما يتناسب مع حجمه ودوره” حسب قوله. وهدد القيادي الكردي “إذا ما تعرضت مصالح المواطنين في منطقة محددة في الإقليم إلى الخطر فأننا مستعدون للعودة إلى نظام الإدارتين ولن نخشى من تقسيم الإقليم”، مشيرا إلى أن بقاء قوات البيشمركه مقسمة بين الاتحاد الوطني والحزب الديمقراطي يمنع إنشاء قوات عسكرية مهنية تدافع عن مصالح شعب كردستان.

وكانت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في إقليم كردستان، أعلنت في 20/10/2018عن النتائج النهائية للانتخابات البرلمانية التي جرت في الثلاثين من شهر أيلول/سبتمبر الماضي والتي حصل فيها الحزب الديمقراطي الكردستاني على 45 مقعدا والاتحاد الوطني 21 مقعدا وحركة التغيير 12 مقعدا والجيل الجديد 8 مقاعد والجماعة الإسلامية 6 مقاعد ونحو الإصلاح 5 مقاعد والحزب الشيوعي مقعد واحد. وقد اتهمت بعض الأحزاب الكردية الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني بالتلاعب بنتائج الانتخابات.

ركود حركة الأسواق

وأشارت مصادر مطلعة لـ”القدس العربي” في السليمانية وأربيل إلى أن حالة من الإحباط والترقب تسود في مختلف مدن إقليم كردستان جراء فشل الحزبين الرئيسيين في الاتفاق على تشكيل حكومة الإقليم بعد أكثر من ثلاثة أشهر على إجراء الانتخابات، وأن التوتر وعدم توصل الأطراف السياسية إلى تفاهمات لتشكيل الحكومة أدى إلى ركود حركة الأسواق والفعاليات الثقافية والاجتماعية.
يذكر أن الإقليم شهد تظاهرات احتجاجية شعبية واسعة في الأعوام الأخيرة للتعبير عن رفض تدهور الأوضاع الاقتصادية جرى خلالها مهاجمة مقرات العديد من الأحزاب المتنفذة في إدارة الإقليم التي اتهموها بالفساد وحملوها مسؤولية تدني الأوضاع المعيشية هناك.

ويذكر أن الخلافات بين الحزبين الرئيسيين الديمقراطي والاتحاد الوطني حول إدارة الإقليم والعلاقة مع بغداد، قد تصاعدت في الآونة الأخيرة وخاصة في أعقاب دخول القوات الاتحادية إلى كركوك والمناطق المتنازع عليها في 16 تشرين الأول/اكتوبر 2017 والتي اتهم فيها رئيس الحزب الديمقراطي مسعود بارزاني والعديد من قيادات حزبه الاتحاد الوطني بـ”الخيانة” من خلال الاتفاق مع بغداد على الانسحاب من كركوك بدون قتال، وهو الأمر الذي رفضه الاتحاد الوطني وعده إجراء ضروريا لحقن الدماء. إلا ان بارزاني كرر مهاجمة الاتحاد الوطني الكردستاني واتهامه بـ”الخيانة” واصفا دخول القوات العراقية إلى كركوك، بـ”اليوم المظلم وبالاحتلال” وغيره من النعوت.

وقد قوبلت اتهامات بارزاني برفض شديد من الاتحاد الوطني، الذي أكد أن تلك التصريحات قطعت أي فرصة للتقارب بين الحزبين وأوقفت الوساطات بينهما، وتركت أثرا كبيرا على ملفات مشتركة مثل تشكيل حكومة الإقليم ومشاركة الكرد في الحكومة المركزية.
وفي هذا الإطار أعلن القيادي في الاتحاد الوطني الكردستاني فريد اسسرد إن الحزب الديمقراطي يتعامل بوحشية انتقامية مع الاتحاد الوطني فيما يخص عرقلة مشاركته في الحكومة الاتحادية في بغداد ومشاركته في حكومة الإقليم المقبلة، ردا على خسارة الحزب الديمقراطي منصب رئيس الجمهورية الذي أصبح من حصة الاتحاد الوطني.
وأكد اسسرد في تصريح أن رفض الديمقراطي ترسيخ الشراكة الحقيقية ومنح الاتحاد استحقاقه الوطني والانتخابي في حكومة الإقليم المقبلة، مسعى انتقامي، محذرا من “أن بقاء الحزب الديمقراطي على رأيه الحالي سيدفع بنا إلى مناقشة خيار عدم المشاركة في حكومة الإقليم مما سيخلق واقعا جديدا، ولن تكون هناك حكومة واقعية شاملة، لأنها لن تتمكن من بسط سلطتها على جميع مناطق كردستان، وفي النتيجة فإنه لن يكون هناك شيء اسمه حكومة الإقليم وسيتجه الإقليم نحو مصير مجهول”.

رفض الهيمنة والإقصاء

ولم يكن الاتحاد الوطني، الحزب الوحيد المعارض لمساعي الحزب الديمقراطي الهيمنة على المناصب الرئيسية في حكومة الإقليم، بل عبرت العديد من الأحزاب الكردية عن رفض تلك الهيمنة والإقصاء للآخرين.

فحركة التغيير، التي جاءت ثالثا في الانتخابات، طالبت الحزب الديمقراطي بتقديم ضمانات بعدم تكرار التجربة الفاشلة التي كانت لها مع الحزب الديمقراطي في حكومة الإقليم الحالية، عندما قرر الحزب الديمقراطي الكردستاني منع رئيس البرلمان يوسف محمد، القيادي في حركة التغيير من دخول محافظة أربيل لممارسة مهامه الوظيفية وعطل برلمان الإقليم لسنتين، فضلاً عن قيامه بطرد وزراء حركة التغيير الأربعة من حكومة الإقليم.

وضمن السياق رفض حراك الجيل الجديد، قرار الحزب الديمقراطي الكردستاني حصر منصبي رئيس حكومة وإقليم كردستان به، وأكد أن الحراك بالضد من آلية التعامل مع توزيع المناصب وحصرها في يد عائلة واحدة في الإقليم.
وشدد مريوان وريا قانع، عضو برلمان كردستان عن حراك الجيل الجديد، على أن مسألة رئاسة الإقليم قضية عامة ولا تخص الحزب الديمقراطي فقط كي يسمي لها شخصا لشغلها بدون مراعاة الآخرين، متهما الحزب الديمقراطي بأنه تحول من حكم العشيرة إلى العائلة الواحدة.

ومن جانب آخر شكل تصاعد الخلافات بين الحزبين الرئيسيين في كردستان العراق فرصة سانحة لبعض الدول من أجل التدخل في شؤون الإقليم تحت مبرر محاولة التوفيق بين الطرفين.

وفي غضون ذلك أعلن القنصل الإيراني العام في السليمانية سعد الله مسعوديان في تصريح، أن وزير خارجية بلاده جواد ظريف، سيزور إقليم كردستان ضمن الجولة التي يقوم بها في العراق قريبا. ويتوقع المتابعون أن تستفيد طهران من الخلافات بين الحزبين الكرديين في الإقليم لترتيب الأوضاع في شمال العراق بما يعمق نفوذها هناك ويخدم مصالحها التجارية، إضافة إلى منع تدهور الأوضاع فيه خوفا من أن يساعد ذلك في تنامي نشاط حركات المعارضة الكردية الإيرانية شمال العراق.

وفي السياق اعتبر الكثير من المراقبين أن تمركز القوات الأمريكية المنسحبة من سوريا في الإقليم سيزيد من النفوذ الأمريكي على الحزبين الكرديين الحاكمين، ويعزز اعتمادهما عليه سواء في حل الخلافات بينهما أو في الضغط الكردي على حكومة بغداد.

وقد خلقت التوترات السياسية والأمنية والصراع السياسي بين الحزبين الرئيسين والتهديدات والاعتقالات المتبادلة، مخاوف كبيرة في الشارع الكردي من إعادة تقسيم الإقليم بين الحزبين وعودة حالة عدم الاستقرار وربما التصادم المسلح الذي سبق أن تكرر بين الحزبين المذكورين في فترات سابقة، ومنها حرب 1995 خاصة وأن لكل من الحزبين قوات عسكرية “البيشمركه” وأمنية “الأسايش” تتحرك وفق أوامرهما، في وقت يبدو أن حكومة بغداد اختارت موقف المتفرج على الخلافات الكردية وعدم التدخل لحلها وكأن إقليم كردستان ليس جزءا من العراق.

المصدر : القدس العربي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

Loading...