أزمات أردوغان المستمرة في تركيا

تأكد لدى الكثيرين بأن الملك صار بالفعل عارياً؛ فهو لا يكف عن إطلاق الوعود بمجيء الربيع عقب انتهاء الانتخابات، ولكن يبدو أن الشتاء الأسود، وليس الربيع، هو الذي سيرخي سدوله على تركيا بكاملها، مع انخفاض الإنتاج الصناعي بنسبة 9.8%، وإنتاج الصناعات التحويلية بنسبة 10.8%، وانخفاض إنتاج السلع الوسيطة بنسبة 14.9% والسلع الرأسمالية بنسبة 8.6%.
ولم يكن قطاع الإنشاءات، الذي يحظى بأولوية لدى حكومة حزب العدالة والتنمية، أسعد حظاً؛ إذ بدأ خطر الانهيار يداهمه، هو الآخر، بعد أن تلاشى أمله الأخير في زيادة مبيعات الوحدات السكنية المُباعة، إذ انخفض عدد الوحدات المُباعة في شهر يناير بنسبة 47%، مقارنة بالشهر السابق له.
وكانت النتيجة الطبيعية لذلك هي ارتفاع مخيف في نسبة البطالة..
تشير الأرقام الرسمية إلى ارتفاع نسبة العاطلين، ممن هم في سن العمل، إلى 4 مليون فرد، في حين تبلغ نسبة البطالة، بمفهومها الواسع؛ أي بإضافة أعداد العاطلين الذين لا يلجؤون إلى وكالة توظيف حكومية؛ رغبة في الحصول على فرصة عمل إلى الأعداد السابقة، 6 ملايين و 11 ألف عاطل، بينهم مليون و32 ألفاً من خريجي الجامعات، كما ارتفع معدل البطالة بين الشباب من 21.6% إلى 22.2% خلال هذه الفترة أيضاً.
لا يخفى على أي متابع لأرقام نمو الإنتاج الصناعي ونسبه، ونسبة البطالة، أن الأزمة تتعمق باستمرار في كافة قطاعات الدولة. كانت الشركات في الأوقات التي حدث فيها تباطؤ اقتصادي في الماضي تتمهل بعض الوقت، قبل أن تبدأ في التخلي عن أعداد من عامليها، أما الآن فلم يعد لدى أي من هذه الشركات قدرة على تحمل هؤلاء العمال.
من ناحية أخرى، أشار البنك الدولي في تقريره عن تركيا إلى بلوغ الديون الجامدة (المرشحة للتعثر) في ميزانية البنوك التركية إلى ما يعادل 170-230 مليار ليرة تركية؛ مما يعني أن الوضع سيصبح أكثر صعوبة على الجميع بعد شهر مارس المقبل.
من ناحية أخرى، ستتعثر الاستثمارات التي تتم في نطاق العديد من مشروعات التعاون بين القطاعين العام والخاص، وبالتالي سيؤثر عجز الشركات عن الحصول على قروض من البنوك لاستكمال استثماراتها، على تلك المشروعات التي طالما تَغنَّت بها الحكومة، مما قد يعرضها لخطر توقف يضطر بعضاً منها إلى وقف العمل تماماً في هذه المشروعات، أو استكمالها بقدرة أقل بكثير من قدرتها المستهدفة.
لقد احتدمت الأزمة حتى صار السكين على رقاب رجال الأعمال والعاملين على حدٍّ سواء. والأرقام واضحة بهذا الصدد؛ فمن البديهي أنه إذا انخفض إنتاج السلع الوسيطة والسلع الصناعية، فإن هذا سيؤدي، من الجهة الأخرى، إلى استمرار ارتفاع معدل البطالة. وأخشى ما أخشاه أن تصل نسبة البطالة غير الزراعية، وفق الإحصاءات الرسمية، إلى نسبة 15%.
الوضع هذه المرة مختلف، تمام الاختلاف، عن المرات السابقة؛  فبينما نعاني في بناء البيت من الداخل، فسنصطدم، إضافة إلى ذلك، بالأزمة العالمية؛ لأن الاقتصاد العالمي يعاني في الوقت الراهن من أزمة في السيولة النقدية، في وقت بلغت ديون تركيا الحلقوم وسط تسارع من جانب المستثمرين، مع الارتفاع الحاد في نسبة التضخم، إلى الفرار بأموالهم من السوق التركية إلى الخارج.
على الجانب الآخر، يتعرض العاملون في تركيا لضغوط كبيرة كذلك، مع فاتورة التصدي لنسبة التضخم المرتفعة؛ حيث ينوء كاهل القطاع الحقيقي والأسر في تركيا بأعباء الديون، في وقت لم يعد لدى الدولة أو البنوك الأموال اللازمة للوقوف بجانب المواطنين والشركات المتعثرة؛ الأمر الذي  ينذر ببلوغ حد المخاطر مُنتهاه.
من ناحية أخرى، فإن الاستدانة من الأسواق العالمية أمر مكلف للغاية أيضاً، كما أن الحصول على قروض من الخارج لم يعد سهلاً كما كان يحدث في الماضي؛ إذن لم يبق أمامنا سوى صندوق النقد الدولي باعتباره الملجأ الأخير الذي لم نطرق بابه إلى الآن.
وفي رأيي الشخصي، إنه من السذاجة الاعتقاد بأن الرئيس رجب طيب أردوغان سيحرص هذه المرة على اللجوء إلى صندوق النقد الدولي، وهو الذي قال إنه لن يَعلَق في هذا الفخ مرة أخرى، ما دامت روحه لم تغادر جسده؛ لأنه يعلم يقيناً أن صندوق النقد سيمارس ضغوطاً على حكومته، بخصوص أسلوب إدارة شؤون الاقتصاد والسوق بشكل منظم، وضرورة أن يتمتع البنك المركزي بالاستقلالية في قراراته، وتفعيل دور الهيئات التنظيمية والرقابية، وإخضاعها للمُساءلة.
وحتى إذا لجات تركيا إلى صندوق النقد الدولي فلن يكون الأمر سهلاً كما يظن البعض؛ لأن تركيا ستتقدم إلى هذه المؤسسة الدولية، وأيديها مغلولة؛ بسبب وضع قضائها المُزري، والعلاقة الفاترة مع أميركا بسبب إصرار تركيا على شراء منظومة S400 الصاروخية الروسية.
الواقع أننا نشهد في الوقت الراهن أزمةً أعمق بكثير من تلك الأزمات التي عشناها إبان فترة التسعينيات؛ فقد عادت صورة طوابير “الفقراء”، التي لم نرها منذ عشرين عاماً، في الظهور مرة أخرى، بعد أن كان الشباب يقفون فقط في صفوف طويلة لأجل شراء هاتف أي فون iPhone الجديد.
يقف هؤلاء الآن في طوابير المستهلكين للتسابق من أجل الحصول على النسخة الجديدة من الباذنجان والبطاطس والطماطم. طوابير يمكن أن نطلق عليها هذه المرة اسم “طوابير الوجود” أوجدتها إدارة متعجرفة للبلاد؛ إدارة سدَّت آذانها عن آراء جميع الخبراء قائلة “لستُ في حاجة إلى رأي آخر غير رأيي”..
قد يُخيَّل إلى البعض أن هذه الحكومة قد تخطت أزمة ارتفاع أسعار الخضراوات والفاكهة بافتتاح منافذ بيع تابعة لها، ولكن الحقيقة أن هذا الحل لن يجدي نفعاً على المدى البعيد. وفي ذلك، يحذر البروفيسور يحى مادرا من أن حزب العدالة والتنمية، الذي يقدم حلولاً سريعة لأزمة السلع الغذائية اليوم، قد يُقدم بعد انقضاء الانتخابات المحلية على اتخاذ بعض القرارات الصعبة التي ستُحدث صدمةً كبيرةً للمواطنين؛ لأن التضخم في الغذاء يعني أن القطاعات الفقيرة والمتوسطة الدخل في المجتمع هي التي تتحمل وحدها فاتورة الإدارة السيئة لشؤون الاقتصاد في الدولة؛ مما قد يقود شريحة الفقراء ومحدودي الدخل إلى حد الجوع. والأرقام واضحة في هذا الشأن كذلك؛ ففي حين ارتفع التضخم بنسبة 1.6%  في يناير، وجدنا أن الزيادة في المواد الغذائية وحدها بلغت 6.43%. وبالتالي إذا علمنا أن نسبة التضخم السنوية كانت 20.35%، فهذا يعني أن نسبة التضخم في السلع الغذائية وصلت إلى 30.97% هي الأخرى.
من ناحية أخرى، انخفض عدد العاملين في قطاع الزراعة خلال الأعوام السبعة عشر الأخيرة بنسبة 2.5%. وهذا يعني أن الفلاح، الذي كان يتلوى في قبضة الفقر، قد هجر العمل والإنتاج في هذا القطاع، هو الآخر، ليلتحق في العمل في مجالات أخرى، مثل الإنشاءات مع تحوُّل مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية المحيطة بالمدن إلى حيز العمران، وإقامة عمارات سكنية فوقها. ولم تسلم الحدائق والبساتين الموجودة داخل المدن كذلك؛ حيث أقيمت فوقها مراكز للتسوق كذلك.
والحقيقة أن ما يحدث هو نوع من الإفلاس؛ إفلاس السياسات الاقتصادية التي انتهجتها حكومة العدالة والتنمية طوال 17 عاماً …
يبدو أنه صار من المستحيل، في ظل هذه الظروف، الخروج من هذه الأزمة بشكل قوي وسريع، كما حدث في أوقات الأزمات السابقة؛ فنحن ننحدر بالاقتصاد بسرعة نحو الهاوية. وهذا يعني أننا سنظل نعاني لفترة طويلة تحت وطأة الفقر وارتفاع معدلات البطالة، في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ الاقتصاد التركي.
وعلى الجهة المقابلة، عمدت السلطة الحاكمة اليوم، التي يبدو أنها تدرك خطورة الوضع جيداً، إلى اتخاذ عدد من القرارات الجديدة من أجل ضخ سيولة نقدية إلى الأسواق؛ فأقدم البنك المركزي، في سبيل هذا، على اتخاذ خطوة تهدف إلى تحويل السيولة النقدية الإضافية، التي سيوفرها من  تخفيض نسب متطلبات الاحتياطي، إلى شكل قروض.
ثم تحولت وزارة المالية، بعد كل هذا، إلى الاستدانة من الخارج كبديل عن الديون المحلية، ولكن تجدر الإشارة إلى أن هذا الإجراء لن يستمر طويلاً كذلك.
أضف إلى هذا أن الاقتراض الخارجي أصبح مُكلفًا كذلك، كما أن عائدات الضرائب آخذة في الانخفاض بسبب انخفاض النمو. وعلاوة على ذلك، لم تعد هناك ثقة بأداء الاقتصاد التركي من الأساس.
من ناحية أخرى، انخفض مؤشر بلومبرغ لثقة المستهلكين الأتراك في الاقتصاد التركي في شهر يناير إلى 66.94 نقطة، بما يعادل نسبة 7.29% ، مقارنة بالشهر السابق له، كما تراجع مؤشر توقعات المستهلكين 71.57 نقطة، مسجلاً انخفاضاً بنسبة 7.33%.
كما تراجعت الثقة في جدوى البيع بالتجزئة إلى 13.3 نقطة، مقارنة بالشهر السابق، وسجلت حركة البيع في الأسواق انخفاضاً قدره 35.3 نقطة. وهذا يعكس نظرة سلبية للمستقبل، مع توقعات بامتداد الركود إلى قطاعات فرعية أخرى داخل مفاصل الاقتصاد التركي.
يمكننا الاستدلال، من ناحية أخرى، على تآكل الثقة في الاقتصاد التركي من الزيادة الطارئة في ودائع العملات الأجنبية في البنوك؛ فقد ارتفعت حسابات الودائع بالعملات الأجنبية منذ بداية شهر سبتمبر بمقدار 11.1 مليار دولار.
وعلى الرغم من هذا، يصر البعض على عدم وجود صلة بين تطبيق الديمقراطية وسيادة القانون، وما يشهده الاقتصاد في الوقت الراهن من أزمات، بل ويديرون ظهورهم لحقيقة أن الفاتورة الاقتصادية والاجتماعية الثقيلة التي ندفعها اليوم كانت نتاجاً لابتعاد حكومة حزب العدالة والتنمية عن طريق الديمقراطية، وتهميش القوانين والأعراف، وتدمير الهيكل المؤسسي للدولة، والانخراط في صراع مع الجميع داخل الدولة التركية.
أودّ في النهاية أن أقول إن الحكومة الحالية قد أوقعت نفسها في مستنقع مظلم، عندما قارنت بين أسعار الباذنجان والبطاطا وسعر طلقة الرصاص!

المصدر : أحوال تركية 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

Loading...