ليت العلم وحده كان غائب في الزيارة إلى إيران

كان مطلوباً من «زيارة العمل» التي قام بها رئيس النظام السوري بشار الأسد إلى طهران، واجتماعه مع المرشد الأعلى علي خامنئي والرئيس الإيراني حسن روحاني، أن تحقق بعض أغراضها لجهة الإيحاء باستقرار إيران رغم أعباء العقوبات الأمريكية الخانقة، وخروج الأسد أكثر فأكثر من عنق الزجاجة بعد ثماني سنوات على الانتفاضة الشعبية ضد نظامه.
وقد حرصت وسائل الإعلام الرسمية في طهران ودمشق على إشاعة الأجواء الإيجابية والاحتفالية، فنقلت على لسان خامنئي وصف الأسد بـ«بطل العالم العربي» وإطراء «انتصارات وجهت ضربة قاسية للمشروع الغربي والأمريكي في المنطقة»، وأبرزت تصريح روحاني بأن «انتصار سوريا هو انتصار لإيران وللأمة الإسلامية بأكملها»، وتأكيد الأسد بأن العلاقات بين طهران ودمشق كانت «العامل الرئيسي في صمود سوريا وإيران في وجه مخططات الدول المعادية التي تسعى إلى إضعاف البلدين».
ولكن المظاهر لم تفلح في إخفاء محتوى آخر للزيارة يفضح مظاهر الاستقرار والانتصار المزعومة ويناقضها ويكشف زيفها، وبالتالي لا يفرغها من مضمونها ويعطل أغراضها فقط، بل يعطي عنها إشارات معاكسة تماماً في حقيقة الأمر. ذلك لأن المنتصر والمستقر لا يقوم بزيارة غير معلنة مسبقاً ولا يتم الإفصاح عنها إلا بعد انتهائها، ولا تضمّ وفداً رفيع المستوى يرافق رئيس النظام في زيارة هي الأولى له إلى طهران منذ تشرين الأول (أكتوبر) 2010، ولا يُرفع فيها علم النظام خلال اجتماع الأسد مع نظيره الإيراني.
وعلى الجانب الآخر أتت استقالة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف لكي تفضح المزيد من المظاهر الخادعة، سواء من حيث الشكل الذي تمثل في إعلان الاستقالة عبر رسالة على موقع التواصل الاجتماعي إنستغرام وليس في مخاطبة رسمية مع الرئاسة الإيرانية، أو من حيث المضمون في تصريح ظريف بأن «السم القاتل بالنسبة للسياسة الخارجية هو أن تصبح قضية صراع أحزاب وفصائل». وأياً كانت الصلة، من عدمها، بين استقالة ظريف وزيارة الأسد إلى طهران فإن الصور الرسمية لاستقبال رئيس النظام السوري أظهرت غياب ظريف رجل الدبلوماسية والسياسة، مقابل حضور قاسم سليماني رجل «فيلق القدس» والحرب.
وليت علم النظام السوري كان الرمز السيادي الوحيد الذي يغيب عن زيارات الأسد النادرة إلى روسيا وإيران، الدولتين اللتين تكفلتا بإنقاذ نظامه عن طريق التدخل العسكري المباشر، إذ تشاء المصادفة أن تسرّب موسكو صوراً فوتوغرافية جديدة عن زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى قاعدة حميميم السورية، أواخر 2017، يظهر فيها الأسد منزوياً في منطقة خلفية بعيدة إلى جانب ضابط روسي. ولهذا فقد كان مضحكاً أن يطلب الأسد من حكومات المنطقة التوقف عن الانصياع إلى إرادة قوى خارجية، وهو يتحدث من طهران التي سلم إلى حرسها الثوري وميليشياتها مفاتيح غزو سوريا واجتياح أراضيها والعبث بوحدتها الوطنية وانتهاك خصوصياتها الثقافية.
ويبقى أن الزيارة حملت درساً بليغاً للأنظمة التي تلهث إلى التطبيع مع نظام الأسد وإعادة فتح سفاراتها في دمشق تحت ذريعة قطع الطريق على النفوذ الإيراني في سوريا، فهنا أيضاً مناسبة سانحة لافتضاح المظاهر الخادعة وانكشاف الحقائق.

المصدر : القدس العربي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

Loading...