هل هناك فعالية أمريكية في سوريا

لا تتوقف الأزمة في سورية عن إنتاج تداعياتها المعقدة والمتناقضة، وتأكيد تفردها من بين أنماط الأزمات الأخرى بشكل يرقى إلى كونها أقرب إلى مصفوفة رياضية معقدة، وهذا التعقد يرهق ليس فقط متابعيها والقلقين على الشعب السوري، بل أيضاً أطراف هذه الأزمة من دون استثناء وإن كان بدرجات مختلفة.

وقد حسمت واشنطن الجدل موقتاً، على الأقل في المرحلة الراهنة فيما يتعلق بمصير قواتها في المنطقة الشمال شرقية بصحبة قوات سورية الديموقراطية الكردية، فمنذ أن أعلن ترامب سحب هذه القوات التي يبلغ عددها قرابة الألفين، فقد قامت الدنيا ولم تهدأ لا في الداخل الأميركي ولا لدى حلفائه الغربيين والإقليميين، فلم يقبل بالقرار مؤسسات الدولة الأميركية المختلفة بمعنى التنفيذية من دفاع، إذ استقال وزير دفاعه ماتيس ذو الثقل في الداخل والخارج، وتحفظت الخارجية وأجهزة الاستخبارات المختلفة فضلاً عن أغلبية معتبرة من مجلسي الكونجرس والشيوخ من الحزبين الكبيرين، وفي الخارج ثارت ثائرة الحلفاء الغربيين، وبعد مفاوضات ومساومات مطولة توصلت الإدارة الأميركية إلى سحب أغلبية هذه القوات مع الإبقاء على 400 منقسمين بالمناصفة في منطقتين مختلفتين.

القرار الأميركي الجديد بهذا الشكل يبدو متسقاً مع كل ردود الفعل التي تلت الإعلان عن سحب القوات، فهو يرضي الحلفاء الأوروبيين الذين طالبهم ترامب بزيادة عدد قواتهم ومسؤولياتهم المالية، وسارعت فرنسا تحديداً إلى تأكيد وجودها العسكري وزيادته ليتخطى 1000، وبدا وكأنه لا يعطي ظهره لحلفائه الأكراد، ومجرد وجوده يقدم لهم بعض الحماية والضمانات، كما اعتبره البعض، وهذا ما سنناقش مدى صحته، يرسل رسالة واضحة للفاعلين الرئيسيين، أي روسيا وتركيا وإيران، أن واشنطن لم تترك الساحة السورية وأنه لا بد من التفاهم معها قبل فرض أي ترتيبات تتعلق بمستقبل سورية. ويعزز كل ذلك تصريحات بأن مهمة القضاء على داعش أوشكت على الانتهاء، وهو ما خففت منه قوات سورية الديموقراطية على الفور، مشيرة إلى أن أمام هذه المهمة أسبوعاً على الأقل.

وفي الواقع أن السؤال الصعب ليس في محاولة تفسير القرار الأميركي، فهو قرار يتسق مع الاعتبارات التي صنعته سابقة الذكر، ويتسم بالمنطقية، وإنما القضية الرئيسة هي هل سيكفي الحل الوسط هذا لتحقيق الأهداف الأميركية سابقة الذكر، وأشكال هذا السؤال أنه لم يجب أصلاً عن سؤال أسبق، وهو هل كان وجود القوات الأميركية من 2000 مقاتل كاف لتحقيق هذه الأهداف؟

يفوت التحليل أن معضلة السياسة الأميركية كانت قائمة من قبل ذلك من غياب تصور ورؤية محددة لما تريده وما تحتاجه من أدوات لتنفيذ ذلك، وإذا تركنا كل الخلفيات السابقة وركزنا على المشهد الراهن، فإن البداية لفهم هذه المعضلة تبدأ من ضرورة الأخذ في الاعتبار أن الطرف الآخر أي الحكم في سورية بمساعدة حلفائه قد استعاد السيطرة على كل سورية تقريباً ما عدا منطقتين، واحدة تلفت الأنظار منذ البداية بما تسببه من توترات ومخاطرات عالية وهي مناطق شمال شرق سورية حيث القوات الكردية ومعها قوات غربية، في مواجهة جيب ضئيل لداعش توشك على الزوال، وبالقرب منها وجود عسكري تركي. والثانية وهي الأهم منطقة إدلب وهي الأكبر جغرافياً والأكثر حساسية لوجود حقيقي لداعش، وبيئة سكانية سورية يقال إنها حاضنة ومتقبلة بعض الشيء لداعش ومعهم مراقبين أو عناصر استخباراتية تركية، ومحاطة بقوات حكومية سورية ومن حلفائها.

مكونات البؤرة الأولى التي تلقى كل الاهتمام الدولي هي في ذاتها سبب منطقي لأن تكون أقل مصادر قلق الجانب الروسي ومعه الأسد، فبعض مصادر الإعلام بخاصة تلك المرتبطة بالحكومة السورية تبدي قلقها من حدوث أمر واقع انفصالي، وهذا يبدو صعباً وخياراً مستحيلاً بالنسبة لتركيا وكل أطراف المسألة الكردية، أي أيران والعراق وسورية، وبالطبع لن تقبل به روسيا حرصاً على كل هؤلاء الحلفاء، ومن ناحية أخرى هذه منطقة هامشية ولا تؤثر في سيطرة الحكومة السورية على أراضيها، بعبارة أخرى لا تؤثر على ترابط قواتها العسكرية بدرجة كبيرة، أما المخاوف الأخرى من ضم تركيا لهذه المناطق، فتبدو مسألة ليست سهلة لن يقبل بها العالم فضلاً عن سورية الدولة العضو في الأمم المتحدة، والمسألة ليست بهذه البساطة فالأكراد قد يؤجلون تفاهمهم مع الحكومة السورية إرضاء للولايات المتحدة كهدف آخر لوجود هذه الأخيرة، ولكن هذا لا يكفي لتفاهم مع تركيا على حساب سورية خاصة أن تركيا أصبحت العدو الأشرس للمشروع وحتى للشعب الكردي، بمعنى آخر ما نريد قوله ان هذا الوجود الأميركي يقع في بؤرة توتر عالية، ولا يستند إلى تحالفات كافية، وليس من هدف بعيد الأجل له غير ترتيبات ما للأكراد أو في عملية تسوية أطرافها يتمتعون ببرود أعصاب كاف وخاصة الروس والسوريين، ويعرفون أنهم يكلفون الأطراف الأخرى بمجرد وجودهم في حالة التعبئة هذه لفترات طويلة، ولديهم الوقت الكاف لإرهاق الأطراف ذات هذا الوجود العسكري لاستنزافها في معركة سياسية في المستقبل، حيث تدرك روسيا وحلفاؤها أن هذه ليست منطقة المقايضة الرئيسية.

أما منطقة التوتر الحقيقية فهي إدلب، وما يحيط بها من تفاهمات روسية – تركية هشة، ليست واشنطن ولا باقي الأطراف الغربية طرفاً فيها إلا من باب الدعم الضمني للموقف التركي في هذه المنطقة التي تمثل الأهمية الأكبر في تسويات المسألة السورية في فصولها الأخيرة، فالسيطرة على هذه المحافظة تجعل المشهد الثانوي في شمال شرق سورية مجرد مساومات وأوراق لحفظ ماء الوجه للغرب وتركيا، من هنا نفهم أن روسيا تشككت ثم رحبت ثم انتقدت من دون شدة ما يجري بشأن سحب القوات الأميركية ثم شاركت روسيا الحكومة السورية مناشدة واشنطن الانسحاب وكأنهم يدعونها للبقاء، فليس من المؤكد حتى أنه سيكون مريحاً لها وللأسد أن تنفرد تركيا بهذه المنطقة، بل يبدو على العكس أن الوجود الأميركي مريح لها في هذا الصدد، ويمنع تصعيداً مع تركيا في أكثر من موضع كما أنه يوفر لها مساحة مناورات تساومية مع أنقرة في إدلب حيث المعركة الصعبة والمعقدة.

الخلاصة أن ورقة الوجود العسكري الأميركي في سورية تحقق لها البقية من حفظ ماء وجه الدولة العظمى والعديد من الأهداف الأخرى التي تناولناها سابقاً، وكل هذا يشكل وجوداً ومساحة تأثير أميركية وغربية في مجريات الأزمة والصراع، ولكنه لا يكفي لتشكيل فيتو أو تأثير حقيقي بعيد الأجل في تسوية تتمشى مع ما كانت واشنطن تأمل في تحقيقه في بداية هذه الأزمة وتحديداً الإطاحة بالنظام السوري، وحتى إبعاد الأسد عن إيران يبدو بعيداً الآن وهو ما أكدته زيارته الأخيرة لطهران. ويبقى أن دروس هذه الأزمة عدة، وعلى رأسها أنه عندما لا توجد أدوات أو لا تكون هذه الأدوات مناسبة للأهداف فإنه من الصعب نجاح السياسات، أياً كانت قوة الدولة، ولهذا حديث آخر.

المصدر : الحياة

محمد بدر الدين زايد

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

Loading...