السوريون وتاجر الماء أردوغان

تبدو مشاهد الهجوم الروسي، بمعية قوات النظام السوري، على محافظة إدلب وشمال حماة، مُفزعة بالنسبة للسوريين، خصوصا منهم تلك القواعد الاجتماعية السورية التي آمنت طوال السنوات الماضية بأن تركيا بقيادة حزب العدالة والتنمية وزعامة الرئيس رجب طيب أردوغان هي الطرف الإقليمي والطائفي والأيديولوجي الوازن المُصّر والقادر على حمايتهم والدفاع عن حقوقهم المهدورة في المذبحة السورية المفتوحة.

يتابع هؤلاء تفاصيل الهجوم الشرس الذي حطم حيوات عشرات الآلاف منهم وهجر مئات الآلاف الآخرين، وكيف أنه حدث بعد يوم واحد من اجتماعات الجولة الثانية عشرة من مفاوضات أستانة، التي استماتت تركيا في سبيل إقناع حلفائها السوريين بأنها طوق النجاة لهم من المذبحة المفتوحة، وفي ظلال ما خرجت منه تلك المفاوضات من تأكيد على الحفاظ على الهدوء في تلك المنطقة، وحل مُعضلاتها بالتفاوض والحوار بين أطراف أستانة.

لكن أولا، يتابع السوريون ما يجري في ظلال صمت مُطبق من قبل السلطات التركية، وأردوغان بالذات، الذي ما عُرف عنه توفير مثل هذا الأحداث في خطاباته الشعبوية التي لا تتوقف، والتي يعتبرها مصدرا رئيسيا لشرعيته. صمته التام يشي بتواطؤ غير مُعلن مع ما يجري، فكل ما يخرج عنه لا يزيد بشيء كثير عن الخطابية الجوفاء والمُقعرة للجامعة العربية في مثل هذه الأحداث.

تقول الأنباء وما يتداوله الفاعلون السياسيون إن صفقة ما جرت بين روسيا وتُركيا بشأن ما يجري راهنا. تقوم الصفقة على تبادل ثنائي لمناطق النفوذ بين كلا الطرفين؛ تغض تُركيا عبره النظر عن هجوم روسي محدود على قُرابة ربع مساحة محافظة إدلب وشمال حماة، يستعيد فيها النظام السوري السيطرة على الطريق الدولي الرابط بين دمشق وحلب، والذي بقي طوال السنوات الماضية تحت سيطرة الفصائل المُهيمنة على منطقة إدلب. تفعل تُركيا ذلك، مقابل تسهيل روسي لتُركيا مهمة السيطرة على بلدة تل رفعت شمال مدينة حلب، التي تقع تحت سيطرة مُشتركة بين النظام السوري وقوات سوريا الديمقراطية، مع نفوذ روسي واضح. فالسيطرة على تلك البلدة تُعزز جزئيا من هيمنة تركيا على إقليم عفرين المحتل.

يرى هؤلاء السوريون بأن هذه الصفقة تفتقد لكُل مقومات العدالة بحقهم. فحتى تتمكن تركيا من إحراز مكسب سياسي نسبي وموضعي صغير للغاية، فإنها مُستعدة لأن تضحي بحيوات واستقرار ومستقبل مئات الآلاف من السوريين، وفي آخر منطقة باقية لهم في مواجهة النظام السوري.

غير المدرَك في رؤية هؤلاء السوريين ـ الضحايا ـ أن أردوغان هو رئيس دولة محورية في منطقة شديدة التركيب وعالية القلق مثل الشرق الأوسط، خصوصا في السنوات الأخيرة. وبذلك فإن الدافع لسلوكياته وخياراته واستراتيجياته السياسية إنما هو مُحددان اثنان فحسب: الأمن القومي للدولة التُركية، حسب خصائصها القومية والأيديولوجية العُليا، ومن طرف آخر ديمومة واستقرار سُلطة وحُكم أردوغان لهذه الدولة، وأن باقي الأشياء والأحداث والتوازنات والخطابات إنما مُجرد أدوات لتحقيق ذلك، بما في ذلك حيوات هؤلاء السوريون ومستقبلهم.

ما يعيشه السوريون من صدمة راهنة من الموقف التُركي والرئيس أردوغان، هي المُحصلة الموضوعية والحتمية التي كان لا بُد لها أن تحدث جراء الخديعة التي مارستها التيارات الإسلامية السورية بحقهم. فبعد أسابيع قليلة من اندلاع الثورة السورية في ربيع العام 2011، استجاب الإسلاميون السوريون، بالذات منهم جماعة الإخوان المُسلمين، استجابوا وكملوا دعاية وقراءة النظام السوري للمُجريات السورية، باعتبارها صداما وصراعا طائفيا سُنيا علويا/أقلويا، وأنه كما تدعم إيران النظام السوري لأسباب طائفية، فإن أردوغان، الإسلامي السُني، هو الراعي والقوة الإقليمية الوازنة التي تستطيع أن تخلق التوازن وتحصل حقوق السُنة السوريين.

لم يعترف الإسلاميون السوريون، ورُبما لم يعرفوا، بأن أردوغان ليس مُجرد رئيس تقليدي للدولة التُركية، وأن شخصيته وتكوينه النفسي والسياسي يميل للسعي للزعامة الإقليمية على النمط الناصري، وأن الإسلاميين في كُل دولة من دول المنطقة هم أداته لكسب وتمتين تلك الزعامة، بالضبط كما القوميون العرب بالنسبة لجمال عبد الناصر وعصره.

ربما كان الإسلاميون السوريون يعرفون ذلك، لكنهم يقولون في خبيئة أنفسهم إن هذا الجموح الإسلامي الإقليمي بقيادة أردوغان، قد يوفر لهم المناخ لحكم دولة مثل سوريا، أو المشاركة في حُكمها، طالما أن الكيان السوري صار مدولا ومأقلما بشكل لا يستطيع أحد أن يحكمه بغير تغطية إقليمية ودولية.

لأجل وتبعا لتلك الخديعة، فإن هؤلاء السوريون ـ الضحايا دوما ـ خاضوا الكثير من حروب أردوغان في الداخل السوري. ولأجلها أيضا آمن هؤلاء البسطاء وقبلوا بالصفقات التي كانت يُجريها أردوغان على حسابهم، من بيع شرقي مدينة حلب إلى احتلال عفرين، ومن غض النظر عن معارك الغوطة إلى التخلي عن الفصائل العسكرية التي كانت ترعاها في محافظة إدلب، وطبعا ابتزاز أوروبا بملايين اللاجئين منهم على الدوام.

كان السوريون يمنون النفس دوما بأنها قد تكون الصفقة الأخيرة على حسابهم، وأنها رُبما تكون صفقات لمصلحتهم التي يعرفها أردوغان أكثر منهم، وأن التوازنات والأحوال أكبر من طاقة أردوغان وقُدرته على حمايتهم، وأنه يفعل كُل ما يستطيع القيام به.

لا يفعل أردوغان ذلك بحلفائه السوريين لغاية مسبقة أو لسبب ما خاص يتعلق بهم كسوريين، بل يكاد هذا البيع والشراء بأرخص الأثمان أن يكون مهنته الاحترافية، كشخص يحكم دولة شديدة الاستحواذية على مواطنيها وهوياتهم، بالذات من الكُرد والعلويين، ودولة شديدة التداخل والترابط مع مُحيطها الإقليمي، وفوق ذلك دولة محمية من القوى الدولية، باقتصادها واستقرارها وأمنها العام.

في ظلال كل ذلك، فإن أردوغان يسعى لأن يتحول من مُجرد رئيس عادي وطبيعي إلى زعيم “تاريخي”. فهل من مُعين له مثل البيع والشراء في كل شيء، ودائما على حساب الآخرين، وإلا سيجري بحقه ما يجري بحق سائق الدراجة، الذي فيما لو توقف للحظة، فإنه سيسقط.

المصدر : الحرة

رستم محمود

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

Loading...