احتمالات انسحاب إيران من سوريا

ارتفعت وتيرة الضغوط التى تتعرض لها إيران بشأن مشروعها الإقليمى فى المنطقة بصفة عامة، ووجودها العسكرى الكبير فى سوريا بصفة خاصة. وتصاعدت هذه الضغوط بشكل واضح عقب الانسحاب الأمريكى من الاتفاق النووى مع إيران فى مايو 2018، وما تبع ذلك من تزايد حجم ونوعية العقوبات المفروضة عليها. أضف إلى ذلك تزايد التباين بين المصالح الإيرانية الروسية في سوريا، وإرسال روسيا من آن لآخر رسائل لطهران مفادها أن على الأخيرة الرضوخ للرؤية الروسية فى سوريا، وإلا فالخيار البديل سيكون ترك المصالح الإيرانية فى الأراضى السورية عرضة للاستهداف الإسرائيلى بشدة وبكثافة، بناء على التنسيق الأمنى المتزايد بين موسكو وتل أبيب من ناحية، وعرضة كذلك لمقايضته فى أى صفقة محتملة مع الولايات المتحدة والقوى الإقليمية ذات الصلة بالشأن السورى من ناحية ثانية.

الضغوط على إيران بشأن برنامجها النووى تارة، وبشأن سوريا عبر الحليف الروسى والعدو الإسرائيلى تارة أخرى، دفعت البعض إلى استخلاص نتيجة تدفع بإمكانية انسحاب إيران من سوريا مقابل إنقاذ اتفاقها النووى الذى قارب على الانهيار حال تخلى القوى الأوروبية عنه.

فى سياق هذه المعطيات يمكن طرح بعض “التصورات” حول احتمالات انسحاب إيران من سوريا من عدمه، ومدى تأثير ذلك -حال حدوثه- على توازنات القوى فى الأراضى السورية.

التصور الأول: الانسحاب الإيراني من سوريا

يستند هذا التصور إلى التداعيات التى أحدثتها العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران – وتحديدا قطاعات النفط – على الداخل الإيرانى، وتزايد حالة السخط الشعبى بسبب التورط العسكرى الخارجى لاستنزافه الاقتصاد الإيرانى المتهالك والمأزوم بعقوبات شديدة، لاسيما بعد سريان الحزمة الثانية من هذه العقوبات، وإلغاء الاستثناءات التي منحت لبعض الدول المتعاملة مع إيران فى مجال النفط لفترة محددة، وهو ما قد يؤدي إلى تصفير حقيقى للصادرات النفطية الإيرانية. ويرى أنصار هذا السيناريو أن السخط الشعبى تجاه السياسات الإيرانية الخارجية، والذى تقابله السلطة بدرجة كبيرة من القمع، سيكون ضاغطا على النظام الإيراني بشكل قد يدفعه إلى إعادة دراسة حسابات التورط العسكرى الخارجى فى الملف السورى تحديدا باعتباره الملف الذى استنزف موارد إيرانية مالية وبشرية ضخمة. وربما تؤدى تلك التداعيات إلى تقليص وجودها فى بعض الأراضى السورية، دون أن يعنى ذلك الانسحاب الكامل أو انتهاء حالة التحالف الاستراتيجى بين طهران والنظام السورى.

ويدلل أنصار هذا التصور على ذلك بتصريحات وزير الخارجية الإيرانى جواد ظريف فى يونيو 2018 بأن بلاده قد تخفض وجودها “الاستشارى” فى سوريا إذا حدث نوع من “الاستقرار” وانتهت الحرب على الإرهاب. ووفقا للأهداف الإيرانية فى سوريا، فإن حالة الاستقرار تلك تتلخص فى السيطرة على القرار السياسى السورى وتأمين النظام بالكامل وعلى رأسه بشار الأسد، وكذلك تأمين العاصمة دمشق ومحيطها ومناطق الساحل. أما حالة القضاء على الارهاب فترى طهران أنها لم تنته طالما لم يتم حسم ملف إدلب بصورة نهائية. ووفقا لهذه المعطيات فإن إيران قد تلجأ لهذا السيناريو – تقليل وجودها الاستشارى العسكرى- إذا زاد الضغط الداخلى والخارجى عليها خلال الفترة المقبلة نتيجة لتداعيات عملية تصفير الصادرات النفطية. وستطرح طهران سيناريو سحب تواجدها الاستشارى العسكرى – وليس تواجد ميليشياتها على الأرض- فى سوريا كورقة تفاوض “أولية” بينها وبين القوى الدولية المعنية بالملف السورى، والمعنية كذلك بالمشروع الإقليمى لإيران.

التصور الثانى: الانسحاب الجزئي أو إعادة الانتشار داخل سوريا

يستند هذا التصور إلى عامل الضغط الذى تمارسه روسيا على إيران فى سوريا بالرغم من حالة التعاون الاستراتيجى بينهما والتى كان لها الدور الأكبر في إنقاذ النظام السورى من الانهيار. هذا الضغط يرجع إلى وجود تباينات مصلحية بين الطرفين منذ أن تقلصت عملية محاربة فصائل المعارضة السورية المسلحة، بشقيها المعتدلة والمتطرفة، ومقتضيات تأمين النظام وحواضنه الشعبية، وبالتالى تراجع الاحتياج الروسى للتحركات العسكرية الإيرانية على الأرض بعد أن تم تأمين بقاء النظام السورى واستعادته معظم الأراضى التى كانت خاضعة لسيطرة المعارضة. هذا بخلاف تأمين روسيا كذلك لمصالحها الاستراتيجية فى اللاذقية وطرطوس، فضلا عن المصالح الاقتصادية. يُضاف إلى ذلك حالة “التقدير الروسى” لأمن إسرائيل والتى بمقتضاها قامت الأخيرة بتوجية ضربات عسكرية موجعة للبنية العسكرية الإيرانية فى سوريا دون اعتراض من جانب روسيا. وأخيرا يشار هنا أيضا إلى التباين فى وجهات النظر الروسية والإيرانية حول مسارات التسوية.

وقد انعكس الضغط الروسي على إيران في هذا الاتجاه فى التصريحات الروسية الصادرة خلال شهر فبراير 2019 التي طالبت كافة القوات الأجنبية – بما فيها الميليشيات التابعة لإيران- بالانسحاب من سوريا.

أنصار هذا التصور يرون أن الضغط الروسى على إيران جعل الأخيرة تدرك بوضوح أن حالة التفاهم المشتركة أصبحت حالة “مؤقتة” ومرهونة بتسويات روسيا مع غيرها من القوى الدولية. هذا الإدراك قد يدفع طهران إلى أحد مسلكين: أولهما، تقديم قدر من التنازل يتمثل فى انسحاب تكتيكى من بعض المواقع على غرار انسحاب ميليشياتها من مناطق الجنوب إلى داخل العمق السورى لإبعاد التأثير الإيرانى على الوجود الإسرائيلى، بصورة تدفع روسيا إلى إحراز تقدم فى مسار التسوية السياسية للأزمة. ثانيهما، هو تقليص حالة الاستحواذ التى تقوم بها طهران على مشروعات البنية العسكرية والاقتصادية فى سوريا والتى تتجاوز قيمتها – وفقا لبعض المصادر- 15 مليار دولار، فضلا عن ضخ ما يتجاوز 30 مليار دولار كاستثمارات فى قطاعات الاقتصاد السورى المختلفة، وهو ما يقلص من فرص الاستثمار الروسى اقتصاديا فى سوريا.

لكن ثمة من يرى أن المصالح الاقتصادية الكبيرة التى استثمرت فيها إيران داخل سوريا طوال السنوات الماضية، والتى دعمتها بوجود عسكرى وميليشياوى (وفقا لبعض المصادر هناك 11 قاعدة عسكرية إيرانية فى سوريا فى حلب وحمص ودير الزور، بالإضافة إلى 15 مركزا للمراقبة على الحدود مع لبنان تتبع حزب الله) ستدفع طهران إلى البقاء لجنى نتائج هذا الاستثمار على المدى الطويل، وبالتالى سيقلل ذلك من احتمالات الانسحاب الإيرانى العسكرى الكامل من سوريا.

التصور الثالث: صفقة إيرانية- أمريكية

يقوم هذا التصور على إمكانية انتهاج إيران خيارات أكثر مرونة فى التعامل مع واشنطن ربما تصل إلى إبرام بعض “الصفقات” عبر التفاوض المباشر معها، بعد أن أدركت مدى وطأة المرحلة الثانية من العقوبات التى فرضتها واشنطن، فضلا عن تصنيفها الحرس الثورى الإيرانى كمنظمة إرهابية. أنصار هذا التصور يدللون عليه بتصريح وزير الخارجية جواد ظريف فى أبريل 2019 بإبقاء مضيق هرمز مفتوحا نافيا تصريح متشدد صدر من أحد المسئولين العسكريين الإيرانيين الذي تحدث فيه عن إمكانية غلق إيران للمضيق حال منع مرور الصادرات الإيرانية عبر المضيق. كما يشير بعض المحللين إلى تقارير غير مؤكدة حول وجود مفاوضات سرية بين طهران وواشنطن، على غرار المفاوضات التى تمت بين الطرفين فى عُمان والتى مهدت لإبرام الاتفاق النوى فى 2015. بينما يشير آخرون إلى أن استمرار طهران فى إبداء مواقف متناقضة بين المرونة والتشدد هدفه التأثير على تقديرات وخيارات الإدارة الأمريكية الحالية فى تعاملها معها.

ويدخل فى سياق هذا التصور أيضا الملفات التى سيتم التفاوض عليها وهى البرنامج النووى والدور الإقليمى، وربما الملف الأخير تحديدا هو أهم الملفات التى ستكون محلا للتفاوض مع الولايات المتحدة والدول الأوروربية، خاصة وأن الأخيرة بدأت تتململ من نشاط إيران الإقليمى فى عدد من دول الشرق الأوسط بما يعزز احتمال عدم التمسك بالاتفاق النووى بعد انسحاب الولايات المتحدة منه. في هذه الحالة سيكون الملف السوري على قائمة أهم ملفات الانخراط الإقليمى الإيرانى. وهنا ستحرص إيران على إشراك القوى الأوروبية كطرف فى أى مفاوضات تتعلق بهذا الملف منعا لانفراد روسيا والولايات المتحدة بمعادلة الحل السياسى، وبشكل يضمن لطهران هامش مناورة بهدف إحداث تأثير فى حسابات القوى الدولية بشأن الملف السورى.

وعلى الرغم من التشدد الذى تبديه بعض مؤسسات صنع القرار الإيرانى تجاه خيار التفاوض مع واشنطن، لكن ثمة من يقول بأنه تشدد مقنع يغطى على رغبة إيرانية فى “التفاوض المشروط” على دورها الإقليمى وفى القلب منه الملف السورى. وفى مقابل ذلك هناك من يقول باستحالة عقد صفقة بين إيران والولايات المتحدة دون أن توافق إيران على الشروط الإثنى عشر التى وضعتها واشنطن أمام طهران لرفع العقوبات عنها، والتى لا تتعلق ببرنامجها النووى فقط، ولكن تتعلق أيضا بتورطها الإقليمى فى كل من العراق وسوريا واليمن وحتى أفعانستان.

التصور الرابع: ترسيخ شبكة المصالح الإيرانية رغم القيود

يذهب هذا التصور إلى التأثير الحادث الآن على توازنات القوى فى سوريا جراء الضغط الأمريكى المتصاعد على إيران فقد كان من المفترض أن يصب الانسحاب الأمريكى غير الكامل- ترك قوة رمزية – من شمال وشرق سوريا فى صالح الوجود الإيرانى، إلا أن تركيا كانت هى أكثر المستفيدين وليس إيران من هذا الانسحاب، وبدأت أنقرة فى ممارسة اللعب على وتر التناقضات الروسية- الأمريكية فى الملف السورى لجنى أكبر قدر من المكاسب بشأن ذلك الملف. كما أن روسيا لاتزال هى صاحبة اليد الطولى فى سوريا حتى مع محاولات النظام السورى التحرك بعيدا عن العباءة الروسية من خلال رفع درجة التقارب مع إيران فى ملفات أمنية واقتصادية. أضف إلى ذلك أن مناطق انتشار الميليشيات الإيرانية على الأرض تتطابق مع المناطق التى تدخل فى نطاق اهتمامات روسيا فى العاصمة ومناطق الوسط والغرب حيث الساحل. أما الجنوب فقد انسحبت منه إيران تحت وطأة التوافق الروسى- الأمريكى بشأن إقامة منطقة خالية من الميليشيات الإيرانية قرب الجولان المحتل، وبالتالى فإن خريطة النفوذ الدولى والإقليمى داخل سوريا ليست خالصة لإيران، وهو ما أدركته إيران جيدا منذ أن اتسعت دائرة الدول المعنية بالصراع السورى؛ فعملت على مواجهة تشابك خريطة المصالح الدولية والإقليمية بشبكة مصالح عسكرية واقتصادية واجتماعية كبيرة ترسخ الوجود الإيرانى وتجعل من حساباتها فى سوريا وحسابات غيرها من القوى رهنا لصفقات دولية وإقليمية “محتملة” لا تقر بضرورة الانسحاب الإيرانى الكامل من سوريا.

ويرى أنصار هذا الرأى أنه حتى وإن نجحت الصفقات فى حمل إيران على الانسحاب من سوريا، فإن الأخيرة وفى ظل شبكة المصالح الإيرانية الاقتصادية والاجتماعية الضخمة، ستظل تحت تأثير القرار السياسى الإيرانى على غرار العراق، مع الأخذ فى الاعتبار أن عملية عقد الصفقات ليست بالأمر اليسير فى ظل تشابك وتعارض مصالح تلك القوى وأوزانها النسبية على الأرض.

***

التصورات والاحتمالات السابق ذكرها تشير إلى أنه وبالرغم من تزايد الضغوط الدولية على إيران بسبب مشروعها الإقليمى الضخم فى المنطقة، فإنها لن تقبل بسهولة الانسحاب من سوريا أو تقليص نفوذها بصورة تضر بشبكة مصالحها الضخمة التى استثمرت فيها بالداخل السورى طوال السنوات السابقة، حتى وإن كانت المقايضة بين انسحابها من سوريا وبين رفع أو تخفيف العقوبات الأمريكية المفروضة عليها. ذلك أن الانسحاب الإيرانى من سوريا بصورة كاملة لا يعنى ضرب المشروع الإيرانى الإقليمى فى حلقته السورية فقط، وإنما يعنى أيضا رفع الغطاء المالى والعسكرى الإيرانى عن أذرعها فى المنطقة، سواء فى العراق أو لبنان، لأن مثل تلك المقايضات لن تكون مقصورة على دور إيران فى سوريا فقط، وإنما ستشمل مجمل النشاط الإقليمى لها فى المنطقة، وهو ما يعنى احتمال فتح المجال أمام مطالبات دولية تقوض من هيمنة ونفوذ إيران فى المنطقة عبر وكلائها. هذا بخلاف أن إيران لم تحسم بعد مصير الميليشيات ضخمة العدد والتسليح التابعة لها فى سوريا خلال الفترة الحالية، وهى خطوة من المفترض أن تحسمها طهران قبل فتح الباب أمام أية مفاوضات أو تفاهمات حول دورها الإقليمى فى المنطقة، ما يشير إلى عدم استعدادها عقد أية صفقات فى الوقت الراهن بالرغم من اشتداد وطأة العقوبات على الداخل الإيرانى، مستندة إلى خبرتها فى الالتفاف على تلك العقوبات إلى حين تبلور الظروف التى تراها مناسبة لذلك، وتستطيع فى إطارها التفاوض على دورها الإقليمى بأقل قدر ممكن من الخسائر والتنازلات.

المصدر : مركز الاهرام للدراسات

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

Loading...